انتهت الخدمة: قصة إنهاء خدمات موظفي الأونروا

انتهت الخدمة: قصة إنهاء خدمات موظفي الأونروا

القاهرة/ غزة 


في قرار وُصف بـ"الصفعة القاضية"، أنهت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) خدمات الموظفين المحليين التابعين لمكتب غزة المتواجدين خارج القطاع، مبددةً بذلك آخر أمل تمسك به مئات العائلات التي فرّت من جحيم الحرب.

قبل تسعة أشهر فقط، في أبريل 2025، وثقت "آخر قصة"، مآسي عشرات الموظفين الذين فروا إلى مصر هربًا من الحرب، ليُصابوا بصدمة قرار "إجازة إجبارية دون راتب". لكن اليوم الثلاثاء 6 يناير 2026، تحولت الإجازة القسرية إلى فصلٍ نهائي، في ختام مأساة إنسانية وإدارية طالت من كرسوا حياتهم لخدمة "اللاجئين" ثم وجدوا أنفسهم لاجئين ومحرومين من أقوى سند لهم.

من الإجازة القسرية إلى الفصل النهائي: مأساة متدرجة

في فبراير 2025، جمع مسؤول في الأونروا يُدعى "باولو" موظفي الوكالة النازحين في القاهرة. الرسالة كانت صادمة: "إجازة استثنائية إجبارية لمدة عام كامل دون راتب"، بحجة "عدم وجود موازنة كافية". وفقًا لتقرير سابق، شمل القرار 526 موظفًا نازحًا إلى مصر من أصل نحو 650 موظفًا خارج غزة.

كانت دوافع الموظفين، مثل المهندس صلاح عبد اللطيف (50 عامًا) الذي عمل في الوكالة لعقدين، والمدرس حسان نصر (57 عامًا)، واضحة: هم غادروا بموافقات إدارية رسمية، إما للعلاج أو هربًا من الموت. ترك بعضهم أبناءه في غزة، وكان يرسل إليهم من راتبه. انقطاع الراتب لم يكن يعني فقرهم في مصر فحسب، بل يعني أيضًا توقف إعالة أسرهم المحاصرة في غزة.

المحامي الفلسطيني رامي محسن قال حينها إن القرار "يتناقض مع القيم الإنسانية والقانونية"، واعتبره انتهاكًا صارخًا لحقوق الموظفين الذين اتبعوا الإجراءات الإدارية اللازمة.

اليوم، يأتي القرار الجديد بعد تسعة أشهر تقريباً، لينهي أي أمل بعودتهم إلى وظائفهم، حيث أعلنت الأونروا رسميًا "إنهاء خدمات" هؤلاء الموظفين "نتيجة استمرار الأزمة المالية الطاحنة". التعميم الداخلي، الذي حصلت عليه آخر قصة، صادر عن القائم بأعمال مدير شؤون الأونروا في غزة، سام روز، ويحدد 17 يناير 2026 موعدًا نهائيًا لإنهاء الإجراءات.

مريضة فشل كلوي كانت تبحث عن عمل.. واليوم تفقد وظيفتها

قصة سهام محمود (46 عامًا) تختصر المأساة. في أبريل الماضي، كانت هذه الموظفة المريضة بالفشل الكلوي، والتي عاشت في خيمة ثم في سيارتها في غزة قبل أن تفرّ إلى مصر، تطرق أبواب المدارس في القاهرة بحثًا عن عمل. كانت تخشى الطرد من شقتها بإيجار 400 دولار شهريًا بعد قطع راتبها.

"كيف تتخلى الأونروا عن موظفيها الذين أفنوا أعمارهم في العمل بهذه السهولة، وتُجبرنا على البقاء تحت الموت؟"، تساءلت بسؤال ظلّ معلقًا دون إجابة.
اليوم، القرار الجديد يحول بحثها عن عمل جديد إلى ضرورة للبقاء على قيد الحياة، بعد أن فقدت مصدر دخلها الوحيد بشكل نهائي.

الوكالة تقدم "تعويضات".. والنازحون يخسرون الإقامة والعمل

تحاول الأونروا تلميع الصورة القاتمة عبر وعدها "بصرف كافة المستحقات المالية"، بما في ذلك: تعويضات نهاية الخدمة، وتعويضات بدل الإشعار، والتسوية النهائية.

كما أعلنت عن عقد لقاءات مع المتضررين في مصر بدءًا من 18 يناير الحالي، وعرضت برامج تدريبية ودعمًا نفسيًا.

لكن هذه الإجراءات تبدو هزيلة أمام الكارثة الحقيقة التي يواجهها الموظفون.  وبحسب إفادات عدد من الموظفين الذين تحدثوا لآخر قصة، في أبريل الماضي، فأن 60% من النازحين المتضررين لم يعودوا قادرين على سداد إيجارات منازلهم في مصر، وأن 40% اضطروا للجوء للمساعدات.

واتضح أن الأزمة تتجاوز المال. فمعظم هؤلاء الموظفين، وفق شهادات سابقة، "لا يملكون إقامة قانونية تتيح لهم العمل" في مصر. فقدانهم لوظائفهم في الأونروا، المنظمة الدولية التي كانت حاضنتهم، قد يفقدهم أيضًا أي صفة قانونية تحميهم من الترحيل أو تمنحهم حق العمل بشكل نظامي، مما يدفعهم إلى هوة غير مسبوقة من انعدام الأمن.

شبهات محسوبية وصمت إداري

الإفادات السابقة أشارت بشكل واضح إلى لغز إبقاء الأونروا على رواتب نحو 88 موظفًا نازحًا في مصر، بينما قطعت رواتب 562 آخرين. تساءل كثيرون حينها عن "وجود محاباة ومحسوبية في القرار تجاه بعض الموظفين دون الآخرين"، وفقًا لما ذكره الموظفون.

اليوم، القرار الجديد يستثني صراحة "الكوادر التي تؤدي مهاماً منقذة للحياة أو وظائف حساسة للغاية"، مما قد يفسر جزءًا من ذلك التمييز، لكنه يترك تساؤلات حول معايير هذه التصنيفات ولماذا لم تُطبق من البداية لتجنب معاناة استمرت تسعة أشهر.

ظلّت الإدارة العليا للأونروا طوال هذه المدة تتوارى خلف "الصعوبات المالية". تصريحات فيليب لازاريني، مفوض الوكالة العام، كانت مقتضبة ودون تفاصيل. محاولات صحفية وحقوقية عديدة "باءت بالفشل" لمعرفة مساعي الأونروا لتجاوز الأزمة قبل الإعلان عن إنهاء الخدمات بشكل كامل، مما عزز الشعور السابق لدى الموظفين بـ "التخلي" من قبل المؤسسة التي كانت تضمن حقوقهم.

صدمة نفسية وتفكك أسري

عرفات حلس، المختص الاجتماعي والنفسي، كان قد حذر في سياق حديثه مع آخر قصة من أن "شعور التخلي" هذا "سببَ صدمة نفسية للكثير من الموظفين وحالة من الحزن العميق والتفكير المستمر في كيفية مواجهة المستقبل". قرار اليوم بإنهاء الخدمات، وليس مجرد تعليق الراتب، هو ضربة نفسية أقسى، تؤكد هشاشة وضعهم وانعدام الاستقرار.

القرار يمزق العائلات أيضًا. فالموظف حسان نصر كان قد ترك أبناءه الستة في غزة. راتبه المقطوع كان يعني توقف الدعم عنهم في قلب الحرب. فصله النهائي يعني تحول هذه الحالة المؤقتة إلى وضع دائم، في مشهد من التفكك الأسري الذي تفاقمه الحرب والتهجير.

سؤال للمجتمع الدولي

بعد أكثر من تسعة أشهر على أول قرار، يبدو أن مسار المعاناة كان محسومًا. الأونروا، التي تقول إنها تواجه "أزمة مالية طاحنة"، اختارت التضحية بموظفيها الأكثر ضعفًا - أولئك الذين نزحوا تحت وطأة القصف - في محاولة لإنقاذ برامجها.

لكن السؤال الذي ترفعه عائلات الموظفين والمتابعون للحقوق: هل يجوز لمنظمة إنسانية كبرى أن تتعامل مع موظفيها، الذين هم أيضًا جزء من مجتمع اللاجئين الذي تخدمه، بهذه القسوة الإدارية؟ وهل يمكن تبرير قرارات متدرجة زادت وضعهم تعقيدًا قبل أن تصل إلى الفصل النهائي؟.