بعد أكثر من شهرين على سريان وقف إطلاق النار، لم تفلح هدنة السلاح في فك خناق الاقتصاد المنهك في قطاع غزة. في حين تتحدث البيانات الرسمية عن "تحسن نسبي"، تكشف الأرقام اليومية والمشاهد في الأسواق عن قصة مختلفة تمامًا: واقع مرير حيث تتحكم القيود الإسرائيلية المشددة على المعابر بكل مكونات الحياة، محولة الهدنة إلى حصار اقتصادي مبطّن يمنع أي أمل في التعافي.
يقف خليل عطا الله، مدير العلاقات العامة والإعلام بالغرفة التجارية الصناعية الزراعية في غزة، أمام خريطة للمعابر معلقة على حائط مكتبه المتواضع. بإصبعه، يشير إلى تقرير رصد يومي يعج بالأرقام الحمراء. يقول مستندًا إلى بيانات الرصد اليومي التي يعدها فريقه: "الاحتلال الإسرائيلي يواصل فرض قيود صارمة على الحركة التجارية ومعابر قطاع غزة".
ويضيف: "يوم الأحد الماضي كان مثالاً صارخًا. شهد إغلاقًا تامًا لمعبري كرم أبو سالم وبيت حانون التجاريين الرئيسيين، مع الإبقاء على منفذ واحد فقط سمح بدخول 183 شاحنة". هذا الرقم، كما يوضح، "ضئيل جداً" مقارنة بالاتفاق الذي يقضي، وفقاً للمفاوضات التي رافقت وقف إطلاق النار، بدخول 600 شاحنة يومياً على الأقل لتلبية الحد الأدنى من احتياجات القطاع الذي يقطنه أكثر من مليوني نسمة.
تخصيص الإغلاق: 68% للمساعدات مقابل 34 للقطاع الخاص
يكشف تحليل الغرفة التجارية، الذي اطَلعت عليه "آخر قصة"، عن خلل هيكلي في نوعية البضائع الداخلة. ففي الأيام المحدودة التي تُفتح فيها المعابر، تستحوذ المساعدات الإنسانية (الغذاء والمواد الطبية الطارئة) على الحصة الأكبر. في أحدث تقرير، شكلت المساعدات 68% من إجمالي الشاحنات الداخلة، بما يعادل 149 شاحنة. بينما لم يتجاوز نصيب القطاع الخاص سوى 34 شاحنة تجارية فقط.
يوضح عطا الله: "هذا يعني أن الأسواق تُغذّى بالمعونة، لكنها تُحرم من مواد إعادة الإعمار، والمواد الخام، والسلع التجارية التي تُشغل الاقتصاد". النتيجة المباشرة، كما يصفها تجار في سوق الزاوية في غزة، هي "نقص حادّ في الأصناف والسلع الأساسية"، يقابله "ارتفاع جنوني في الأسعار بنسبة وصلت إلى 136% مقارنة بمستويات ما قبل السابع من أكتوبر"، وفقاً للغرفة التجارية.
أرقام البطالة، كما تؤكد بيانات مركز الإحصاء الفلسطيني التي تمت مقارنتها مع تقارير الأمم المتحدة، تجاوزت حاجز 68% في القطاع. يقول عطا الله: "القدرة الشرائية للمواطنين تدهورت بشكل غير مسبوق، استُنزفت المدخرات والممتلكات على مدار عامين من العدوان المتواصل. الفلسطيني اليوم يرى السلع معروضة، لكنه عاجز عن شرائها".
تتفاقم الأزمة بسبب أزمة سيولة نقدية خانقة. في محال الصرافة بشارع عمر المختار، تُعرض حزم من الأوراق النقدية (الشواقل الإسرائيلية) بالية ومهترئة، بعضها مُلصق بشريط لاصق. المصرفيون والتجار يشتكون من قيود إسرائيلية على إدخال العملات الجديدة، ما أدى إلى تفشي ظاهرة "العمولة" المرتفعة على تحويل الأموال، والتي وصلت في بعض الحالات، بحسب مصادر مطلعة في القطاع المصرفي غير الرسمي، إلى ما يزيد عن 10% لقاء تحويل مبالغ بسيطة.
سؤال المساءلة: "حصار مرن" أم سياسة ممنهجة؟
يسأل محللون اقتصاديون ونشطاء حقوقيون: هل نحن أمام استمرار لسياسة "الحصار المرن" التي تتبعها إسرائيل منذ سنوات، أم أن التعافي المتعمد البطيء بعد الحرب الأخيرة هو جزء من استراتيجية لتحقيق مكاسب سياسية؟.
تتناول تقارير مجموعة الأزمات الدولية (ICG) هذه القضية بشكل متكرر، حيث تشير في أحدث تحليلاتها حول غزة (مارس 2024) إلى أنّ "القيود الإسرائيلية على دخول البضائع... تخلق اختناقات في سلسلة الإمداد تعيق إعادة الإعمار الأساسية وتحافظ على الاعتماد على المساعدات، مما يقوّض الاستقرار طويل الأمد".
في مكتبه، ينهي خليل عطا الله حديثه وهو يقلب صفحات التقارير. الأرقام تتحدث عن واقع لا تروقه الهدنة. "الاتفاق كان على 600 شاحنة يومياً. نحن لا نصل حتى لثُلث هذا العدد في أحسن الأيام. هذا ليس تعافيًا، هذا استمرار للحرب بوسائل أخرى". السؤال الذي يبقى معلقًا في هواء غزة الثقيل: إلى متى سيبقى وقف إطلاق النار مجرد هدنة في القتال، بينما تستمر الحرب على اقتصاد الشعب وكرامته؟


