قبل بزوغ الفجر، يتحسّس أبو محمد حميد (52 عامًا) طريقه في عتمة حيّ الرمال، متجهًا نحو مفترق السرايا وسط مدينة غزة. يصل قبل أن تُفتح أبواب بنك فلسطين بساعات، يتوسّد قطعة كرتون قرب المدخل، ويلتحف قلقه الثقيل. منذ أكثر من أسبوعين، يكرّر أبو محمد حميد، موظف في السلطة الفلسطينية، الرحلة ذاتها، ليس بحثًا عن معاملة معقّدة، بل لإجراء إداري بسيط قد لا يحتاج أكثر من 14 دقيقة: تحديث بيانات حُجز بسببها راتبه قبل عامٍ كامل منذ يناير2024.
خمسة عشر ليلًا قضاها حميد على الرصيف، في انتظار دور قد لا يأتي. يقول: "كل يوم أصحو قبل الفجر، أبحث عن مكان على الرصيف، وأحاول البقاء دافئًا رغم البرد. الانتظار صار جزءًا من حياتي". الانتظار في هذه الطوابير، لم يعد مجرّد صبر، بل امتحانًا يوميًا تُقاس فيه الحقوق بالقدرة على الاحتمال أو على الدفع النقدي لشراء الدور.
خلفه بأمتارٍ قليلة، تبدأ حكاية أخرى من الطابور نفسه. أنسام مهنا (29 عامًا)، مهندسة مدنية، تحاول إنقاذ وقت عملها من الضياع. حسابها البنكي مجمّد، ورغم حصولها على وظيفة ضمن صندوق التشغيل الفلسطيني، لم تجد سبيلًا لتقاضي راتبها سوى الحضور الشخصي إلى البنك.
اضطرت إلى أخذ إجازة من العمل لثلاثة أيام، بلا جدوى، وانتهى الأمر بقرار قاسٍ اتخذته: شراء دور مقابل 350 شيكلًا. تقول: "كل دقيقة انتظار هنا خسارة؛ لكننا مضطرون للدفع لنحصل حتى على حقوقنا الأساسية".
على الرصيف ذاته، أمام بنك فلسطين قرب مفترق السرايا، تقف أم عبد سليمان (60 عامًا)، تمسك بملف صغير يضم أوراقها الثبوتية. لا تنتظر راتبًا، ولا معاملة معقّدة؛ كل ما تسعى إليه هو فتح حساب بنكي باسمها، ليتمكن أبناؤها في الخارج من إرسال المال لها.
أيام طويلة جاءت فيها أم عبد سليمان إلى البنك، تقف لساعات ثم تعود دون جدوى. "بقولوا العدد اكتمل، تعالي بكرة"، تكرر عبارتها بصوت متعب، فيما يبدو الإرهاق واضحًا على وجهها وعينيها بعد ساعات الوقوف الطويلة. وبحكم سنّها ومعاناتها من أمراض مزمنة، يصبح الانتظار عبئًا مضاعفًا. تقول محاولة الابتسام: "أولادي بدهم يبعتولي مصاري عشان أعيش، بس أنا مش قادرة أوصل للدور".
لم تُعرض عليها صفقة شراء دور كما يحدث مع آخرين، لكن الفكرة بحدّ ذاتها بدت لها قاسية وغير ممكنة. تتساءل بمرارة: "كيف بدي أدفع وأنا أصلًا بستنى مصاري من ولادي؟".
سوق موازٍ يولد من الفوضى
أحد بائعي الأدوار، فضّل عدم الكشف عن هويته، يصف ما يجري بأنه "واقع مفروض". ويقول: "الناس تدفع لأنها مضطرة. لو كان في تنظيم حقيقي، أو نظام أدوار إلكتروني، ما كان حدا فكر يشتري أو يبيع. بس الناس مجبورة".
ويقرّ الرجل، بصوتٍ هادئ: "أعرف أنني أتقوت على عوز الناس. لكن في هذه الفوضى، مَن يُفكر إذا كان التصرف صح أم خطأ؟ الكل يبحث عن قوت يومه"، مشيرًا إلى أنّ آلية بيع الأدوار لم تكن لتنشأ لولا الفوضى وغياب آليات التنظيم الواضحة أمام أبواب البنوك.
هذا الواقع البنكي الهش لا يمكن فصله عن أزمة السيولة النقدية الحادة التي يعيشها قطاع غزة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023، إذ تعمل البنوك بموارد محدودة وقدرات تشغيلية جزئية؛ ما يضاعف الضغط على المواطنين ويدفعهم إلى البحث عن حلول غير رسمية للوصول إلى أموالهم.
وفق بيانات رسمية، ارتفعت معدلات البطالة في قطاع غزة إلى أكثر من 80%، فيما اقتربت نسب الفقر من 100%. كما فقد السوق المحلي نحو 200 ألف فرصة عمل، وانكمش الاقتصاد بنسبة تقترب من 86%، ما جعل آلاف الأسر تعتمد بشكلٍ شبه كامل على الرواتب أو التحويلات المالية للبقاء على قيد الحياة.
في المقابل، تعرّض أكثر من 90% من فروع البنوك وأجهزة الصراف الآلي للتدمير أو التوقف عن العمل، ما قلّص عدد الفروع العاملة إلى حدّها الأدنى، ورفع الضغط على القلّة المتبقية التي ما زالت تقدم خدمات مصرفية جزئية.
وفق تقديرات رسمية حديثة للبنك الدولي وبيانات سلطة النقد الفلسطينية، تعرضت البنية المصرفية في قطاع غزة لأضرار واسعة، حيث تضرّر أو دُمّر نحو 93% من فروع البنوك، وباتت غالبية أجهزة الصراف الآلي خارج الخدمة، ما جعل الخدمات المصرفية شبه معدومة فاضطر المواطنين على الاعتماد على بدائل غير رسمية للوصول إلى السيولة النقدية.
اقتصاديًا، لم يعد بيع الدور في الطابور أمام باب البنك سلوكًا فرديًا أو ظاهرة هامشية، بل نتيجة مباشرة لاختلال العلاقة بين العرض والطلب: عدد محدود من الفروع في مواجهة مئات آلاف المواطنين المحتاجين لخدمات مصرفية أساسية، وغياب آليات تنظيم عادلة تضمن الوصول المتكافئ دون استغلال.
مسؤوليات قانونية وحقوق منتهكة
تؤكد المحامية صفاء أبو جبة أنّ بيع الأدوار أمام البنوك لا يمكن اعتباره مجرد سلوك اجتماعي فرضته الظروف، بل يشكّل انتهاكًا واضحًا لمبدأ المساواة وعدم التمييز في الوصول إلى الخدمات الأساسية. وتوضح أنّ شراء الدور أصبح "ضرورة قاسية" في ظلّ ضغط الانتظار؛ ما يؤدي إلى حرمان غير مباشر من الحقوق، خصوصًا للفئات الأضعف.
وتضيف أبو جبة أنّ هذه الممارسات تتعارض مع العهد الدولي الخاصّ بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما تخالف قانون حماية المستهلك الفلسطيني ومبادئ قانون المنافسة، التي تحظر استغلال حاجة الناس وخلق أسواق غير مشروعة قائمة على الندرة المصطنعة.
وترى أن المسؤولية لا تقع على الأفراد وحدهم، بل تمتد إلى البنوك وسلطة النقد والجهات الرسمية المعنية، المطالَبة بوضع آليات دخول عادلة وشفافة، ومنع نشوء سوق موازية لبيع الأدوار، مع إيلاء حماية خاصة لكبار السن والمرضى وذوي الإعاقة.
حاولت مُعدّة هذا التقرير التواصل مع إدارة بنك فلسطين، لكنها لم تتلقَ أي رد. لذا، اتصلت بالرقم المجاني المتاح للجمهور، حيث أفاد موظف البنك، بعد استفساره من الإدارة، بأنّ "هذا الموضوع خارج عن إرادتهم، وأنه سيتم خلال الفترة المقبلة حله بحيث يصبح الدخول إلى البنك متاحًا للجميع دون انتظار أو إجراءات إضافية"، دون تحديد فترة زمنية أو آلية واضحة لحل الأزمة.
كما تواصلت مع سلطة النقد للاستفسار عن الإجراءات المعلقة منذ نحو شهرين، بعد أن عادت بعض البنوك لفتح أبوابها وتقديم خدماتها المصرفية بشكلٍ جزئي، لكنها لم تتلقَ أي رد أيضًا. ويعكس هذا الوضع غياب آليات تنظيمية واضحة واستجابة غير مباشرة لاحتياجات المواطنين، ما يزيد من معاناتهم اليومية.
من جهته، يعتبر الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن ظاهرة بيع الأدوار هي نتيجة مباشرة لمحدودية عدد الفروع قياسًا بحجم الحاجة الملحّة للمواطنين. ويوضح أنّ "سعر الدور" لا يتحدد فقط بعدد البنوك، بل بدرجة استعجال المواطن نفسه. ويقول: "كلما كانت الحاجة أكثر إلحاحًا، ارتفع السعر، لأن المواطن يبحث عن حل سريع لمشكلة تمسّ تفاصيل حياته اليومية".
ويشير أبو قمر إلى أن إعادة فتح عدد محدود من الفروع بعد الحرب لم يكن كافيًا لخدمة مئات آلاف المواطنين، ما حوّل الانتظار من إجراء تنظيمي مؤقت إلى خدمة تُباع وتُشترى. كما يحمّل البنوك وسلطة النقد جزءًا من المسؤولية، مؤكدًا أن فتح نقاط خدمة إضافية، وتنظيم الأدوار بآليات واضحة، كان من شأنه تخفيف المعاناة ومنع استغلال المواطنين.
اليوم، وبعد نحو ثلاثة أشهر من وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ما زالت معاناة المواطنين قائمة على كافة الأصعد، وما زال الوصول إلى المال – وهو حق بديهي – مشروطًا بالقدرة على الدفع أو الاحتمال. السؤال الذي يفرض نفسه: متى سيصبح الوصول إلى الحقوق أمرًا طبيعيًا، لا تجارة تُدار على الأرصفة؟


