ذوي الإعاقة: أعمال غير ملائمة وقانونٌ صامت!

عاملون منهم 

ذوي الإعاقة: أعمال غير ملائمة وقانونٌ صامت!

بطرفٍ صناعي تضغط أسماء أبو طير (34 عامًا) على قدمِ ماكينة الخياطة وبقدرات ضعيفة في حركةِ يديها تُمرر القطع في محاولة درزها، فيما هي تُمارس مهنةً وصفها القانون الفلسطيني بالخطيرة عليها كواحدة من ذوي الإعاقة؛ رغم إجادتها إياها بعد التحاقها بجمعية الإرادة للموهوبين من ذوي الإعاقة والتي تختص في تأهيلهم وتدريبهم.

أسماء إحدى مُصابيّ عدوان عام 2014 الذي شنّته إسرائيل على قطاع غزة، وقد تسببت الإصابة ببتر قدمها اليُسرى، وأدت إلى تآكل قدمها اليُمنى، وتركت ضُعف في قدرات يديها، وذلك إثرَ قيام طائرات الاحتلال الإسرائيلي بشنّ غارات على بيتها الواقع في منطقة عبسان الكبيرة في محافظة خانيونس جنوب قطاع غزة.

في مساحة لا تتجاوز بضعة أمتار ورغم الجهد الكبير الذي يفوق طاقتها، تعمل أسماء على ماكينة الخياطة في محلٍ أوجدته من عرقِ جبينها، وتُعيل أسرتها المكونة من خمسةِ أفراد بينهم ثلاثة من الأطفال، تقول لـ آخر قصة: "الخياطة هي مصدري الوحيد لكسب المال، زوجي لا يعمل، وتربية أطفالي تحتاج الكثير. أما إصابتي فيزداد ألمها يوم بعد يوم، ولا أستعين عليها إلا بالمسكنات".

ونتيجةً للإصابة أصبحت أسماء واحدة من ذوي الإعاقة الذي يُشكلون ما نسبته 2.1% من مجمل السكان، وفقاً للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. وتتوزع هذه الفئة بنسبة 48% في الضفة الغربية و52% في قطاع غزة. وتأتي النسبة الأعلى من بينهم في إعاقات الحركة واستخدام الأيدي.

تكابد أسماء ألمها الذي أصبح يتفاقم نتيجة ما تُعانيه من مضاعفات الإصابة، فالحياكة تحتاج تحريك طرفها الذي فقدته، فيما هي استطاعت بعد رحلةِ علاج طويلة أن تقوم بتركيب بديل صناعي، عن طريق مستشفى حمد للتأهيل والأطراف الصناعية، تقول أسماء: "القدم الصناعية تحتاج كل فترة للتغير والمتابعة من الأطباء، وبعد ممارستي للخياطة أصبحت أحتاج للمتابعة بشكلٍ أكبر"، بينما تزداد توصيات الأطباء لها بالتوقف عن الاستمرار في العمل. 

تُدرك أسماء أن القانون الفلسطيني يُلزم صاحب العمل بتشغيلِ عدد من ذوي الإعاقة المؤهلين بشرطِ أن تتلاءم الأعمال مع إعاقتهم، وذلك في المادة (13) منه، وتقول: "لا أعمل في الحياكة تجاوزًا للقانون ولكني لم أترك باب جهة حكومية أو خيرية إلا وطرقته، إنّني أطالب الجهات المعنية بتوفير دخل يُغنيني عن هذا العمل الذي لجأت إليه عوزًا للمال".

ليست أسماء أبو طير وحدها التي تواصل عملها رغم حظر القانون الفلسطيني لأعمال تُهدد حياتها، يمضي مؤمن قريقع البالغ من العمر (33) عامًا أيّضًا في عمله الصحفي الذي يُمارسه مُنذ سبعة عشر عامًا، رغم فقده لقدميه في غارة ٍ إسرائيلية عام 2008 سقطت على حي الشجاعية شرق قطاع غزة.  

وعلى كرسيه المتحرك يتصدر قريقع أوائل الصحافيين لتغطية أيّ عدوان إسرائيلي يُشنّ على قطاعِ غزة، يقول لـ آخر قصة: "عملي الصحافي هو مصدري الثابت والوحيد للدخل والنفقة على أسرتي وأطفالي الأربعة وكُرسيّ المتحرك الذي أعتليه هو مُساعدي الوحيد في العمل".

يُلزِم القانون الفلسطيني أرباب العمل بتشغيل ذوي الإعاقة بنسبة لا تقل عن 5% من حجم القوى العاملة في المؤسسة، كما حظرت المادة (16) أي تميز في شروط وظروف العمل على الأراضي الفلسطينية.

إزاء ذلك، طالب "قريقع" بتطبيق القانون الفلسطيني في قطاع غزة، ودمج ذوي الإعاقة في المؤسسات الحكومية والمدنية، ومنحهم حقوقهم في كافة مجالات الحياة ليُصبحوا جزءًا لا يتجزأ من صنع القرار.

في هذا الإطار، أكدّ مصطفى عابد مدير برنامج التأهيل المجتمعي في جمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية، على أن العزيمة والإصرار التي يتمتع بها ذوي الإعاقة تدفعهم للعمل في كافة المجالات قائلاً: "إنَّ ذوي الإعاقة جزء لا يتجزأ من النسيج الفلسطيني، والكثير منهم قادرين على الإبداع رغم الإعاقة". مُضيفًا: "رغمَ ذلك نحن ضدَّ ممارسة ذوي الاعاقة أعمالًا تُخاطر بحياتهم، ويجب حمايتهم دائمًا".  

بدوره، أكدَّ حسين حبوش مدير دائرة شروط العمل في وزارة العمل، على أنَّ لذوي الإعاقة مكان في مشاريع العمل المؤقتة التي تعمل عليها وزارة العمل، وتُشغِل العديد من الأشخاص في أماكن ملائمة لإعاقتهم، كما تعمل دائمًا على توفير فرص العمل لهم في المنشآت المحلية. 

وأضاف في حديثه لـ "آخر قصة": "هناك دائرة التفتيش الخاصة في وزارة العمل التي تراقب كل المنشآت، والمشاريع، والمراقبة العامة عليهم، وإذا كان هناك مخالفة للقانون يتم إتخاذ الإجراءات اللازمة"، مشيراً إلى أن الاجراءات المتخذة تتمثل في وقف عمل المنشأة، إلى حين تهيئة مكان عمل مناسب لذوي الإعاقة. 

إنَّ الإعاقة لا تُلغي الطاقة وهي لا تعني العجز، والكثير من ذوي الإعاقة لديهم عزيمة وقدرة كافية لوصولهم لطموحهم وأحلامهم بعيدًا عن الأعمال التي تؤدي بهم للهلاك؛ ولكن ذلك يحتاج تظافر من كافة قوى المجتمع لاحتوائهم وحمايتهم وتحقيق متطلباتهم ودمجهم في المؤسسات ذات الصلة وفقَ ما يتضمنه القانون وما يقتضيه الواجب الاجتماعي.