كيف تتقي البرد… إرشادات عملية للمرضى الأكثر هشاشة

كيف تتقي البرد… إرشادات عملية للمرضى الأكثر هشاشة

تمسك فاطمة أبو جريدة (47 عامًا) بركبتها، في محاولة يائسة لتخفيف ألمٍ يداهمها كل شتاء مع موجات البرد القارس. ترتجف من شدّته، وتتناول مسكنها اليومي، الذي لم يعد علاجًا فقط، بل أصبح رفيقًا دائمًا لألمٍ تعرفه منذ سنوات، لكنّه هذا العام أشدّ قسوة من أي وقت مضى.

فالألم الذي اعتادت عودته مع كل شتاء، تضاعف هذه المرة مع قدوم البرد إلى قطاع غزة المنهك؛ حيث تعيش أبو جريدة فيما تبقى من منزلها المدمّر، بلا جدران تقيها الرياح أو سقف يحجب عنها قسوة الطقس، في واقعٍ فقدت فيه البيوت قدرتها على الحماية، ولم تعد الخيام بديلًا يوفّر الحدّ الأدنى من الدفء.

وقبل اندلاع الحرب، كانت قد أُصيبت بتمزق في غضروف ركبتها، وخضعت لعملية جراحية لم تُكلَّل بالنجاح. واليوم، يؤكد الأطباء حاجتها إلى عملية تركيب مفصل، إلا أن الخوف، إلى جانب الظروف القاسية، ما يزال يمنعها من الإقدام عليها.

تقول السيدة وهي تشدّ معطفها حولها: "تشتد آلام ركبتي المصابة بالخشونة في فصل الشتاء. مناعتي ضعيفة، ومع كل نسمة هواء باردة أشعر بألمٍ يتسلل إلى عظامي ويكادّ يشلّ حركتي. لذلك لا أحب الشتاء؛ فهو يضاعف ألمي ويجعل أبسط تفاصيل حياتي أكثر صعوبة، من الحركة إلى النوم وحتى الجلوس".

هربًا من قسوة البرد، اضطرت أبو جريدة، التي تضرر منزلها في شمال قطاع غزة ضررًا بليغًا جراء القصف، إلى الانتقال مع دخول فصل الشتاء للعيش مؤقتًا في منزل والدها بالمحافظة الوسطى، إلا أنّ عملها في مدينة غزة يجبرها على الخروج صباحًا، وسط بردٍ قارس يزيد من آلامها اليومية.

تردف: "أعمل موظفة إدارية في إحدى العيادات الحكومية، ما يضطرني لمغادرة المنزل منذ السادسة صباحًا وسط برد شديد. أحاول تدفئة نفسي، لكن الألم لا يتوقف، ولا تهدئه سوى المسكنات".

تردف: "أعمل موظفة إدارية في إحدى العيادات الحكومية، ما يضطرني لمغادرة المنزل منذ السادسة صباحًا وسط بردٍ شديد. هذا زاد من آلام العظام لدي، التي تتفاقم مع كل منخفض جوي. أحاول تدفئة نفسي، لكن الألم لا يتوقف، ولا تهدئه سوى المسكنات".

في غزة، يتحوّل البرد من ظاهرة طبيعية إلى عبء يومي يطال الفئات الأشد هشاشة، في ظلّ تدمير البنية التحتية وتآكل النظام الصحي. ومع كل موجة برد، تتفاقم آلام مرضى المفاصل والعظام، والمصابين بإصابات حرب، وكبار السن، وأصحاب المناعة الضعيفة، الذين يجدون أنفسهم في مواجهة قسوة الشتاء بلا حماية كافية. أما قاطنو الخيام، فلا توفر لهم الملابس الثقيلة ولا محاولات التدفئة البدائية سوى وهم الدفء، في مشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية أكثر مما يصفها. 

ومن هؤلاء، شروق الجرجاوي، التي مع حلول غروب الشمس ودخول ساعات المساء، تتحول خيمتها إلى ما يشبه الثلاجة؛ تتقلب على فراشها محتمية بالأغطية دون جدوى. ومنذ إصابتها في أغسطس/آب 2024 ببترٍ في القدمين، تعيش ألمًا مستمرًا يزداد وطأة مع قدوم الشتاء.

تقول وهي تشدّ الغطاء على جسدها المرتجف: "أمضيت عامًا ونصف العام أعاني ألم الإصابة، ومع الشتاء يزداد وجعي. البرودة تجعل الألم أشد، وفي الفصول الأخرى أتألم، لكن ليس بحدّة ألم الشتاء".

وتضيف: "كل ما أرجوه أن أعيش في بيت أشعر فيه بكرامتي، وأن أسافر لتلقي العلاج. بتر قدميّ جعلني أكثر ضعفًا؛ أي مرض عابر يؤثر بي أكثر، وأي منخفض جوي يزعجني. العيش في خيمة، لحالة كحالتي، يحتاج رعاية، وهو أمر بالغ الصعوبة".

ويزداد ألم المصابين بجروح الحرب في الشتاء، خصوصًا حالات البتر، إذ يصبح الجسد أكثر هشاشة وحساسية للبرد. ووفق وزارة الصحة في غزة، فقد خلّفت الحرب الإسرائيلية (أكتوبر 2023 – الآن) نحو 6,000 حالة بتر، يعيش أصحابها معاناة يومية تتفاقم بسبب ضعف الرعاية الطبية والتأهيل، ونقص وسائل التدفئة، وحياة الخيام، مما يجعل فصل الشتاء أشدّ وطأة عليهم.

وتوضح مختصة العلاج الطبيعي تامسين جويس، في حديث صحفي، أنّ "التهاب المفاصل يزداد سوءًا في الطقس البارد والرطب لدى بعض الأشخاص، نتيجة انخفاض الضغط الجوي الذي يسبب تمدد الأوتار، ويؤدي إلى تصلب المفاصل وزيادة حساسية الألم".

لم تتوقف آثار الطقس البارد عند حدود المعاناة الصحية فحسب، بل تحوّلت إلى خطرٍ مميت. فقد سجلت بيانات محلية رسمية وفاة 13 شخصًا، إما نتيجة مباشرة للبرد القارس، أو بسبب انهيار هياكل متهالكة تحت وطأة الأمطار.

ويواجه كبار السن، مثل فايز أيوب (63 عامًا)، المقيم في خيمة شمال القطاع، صراعًا يوميًا مع البرد والصعوبات المعيشية. فهو يعاني من هشاشة العظام وآلام الأعصاب، والتي تتفاقم مع البرد فيُصيبه تنميل وتغيّر في لون الجلد، بالإضافة إلى فقدان منزله ومصدر رزقه؛ مما يضاعف من أزمته النفسية والجسدية.

يقول بصوتٍ مبحوح: "أمقت المنخفضات الجوية. أي موجة رياح قوية تجعلني في حالة صحية أسوأ. قبل الحرب كنت أعاني في الشتاء، لكنّي كنت أعيش في بيت وأشغّل التدفئة. اليوم أقطن خيمة، وقد أكلّني البرد".

على غراره، تتأرجح الحاجة زكية الطويل (60 عامًا) بين الألم والتحمل. مع كل شتاء، تتسلل البرودة إلى عظامها فتتفاقم التهابات المفاصل وتصبح المسكنات ضرورة يومية.

تمسك كتفها بعد إبرة مسكنة، وتقول بهدوء: "لا أحب ارتداء الملابس الثقيلة، وأحاول الحفاظ على صحتي، لكن هذا الشتاء، البرد يتسلل من كل زاوية في غزة، فتبدأ آلام المفاصل والعظام بالظهور، ولا تهدأ إلا بالمسكنات".

استشاري جراحة العظام الطبيب محمد الرنتيسي يؤكد أنّ الطقس البارد يؤثر مباشرة على العظام والمفاصل، سواء لدى المرضى أو حتى الأصحاء. ويوضح أنّ البرد يؤدي إلى انقباض الأوعية الدموية، ما يقلل تدفق الدم إلى المفاصل والعضلات، ويسبب تيبسًا وصعوبة في الحركة، خاصة لدى مرضى التهاب وخشونة المفاصل.

ويشير الطبيب الرنتيسي إلى أنّ الجسم عندما يتعرض للبرد، يشدّ عضلاته للحفاظ على الحرارة؛ ما يؤدي إلى تشنجات عضلية، وزيادة حساسية الأعصاب، وقد يضعف المناعة ويؤخر الشفاء.

وخلال متابعته لمرضاه على مدار عامي الحرب، لاحظ الرنتيسي ارتفاعًا ملحوظًا في شكاوى أمراض العظام والمفاصل، نتيجة التعرض المستمر للبرد، وسوء التغذية، ونقص فيتامين D والكالسيوم، إضافة إلى الضغط النفسي. ومن أبرز الحالات المسجلة: تفاقم خشونة المفاصل، التهابات المفاصل، آلام الظهر والرقبة، والتشنجات العضلية.

ويبين أن المصابين بإصابات عظمية نتيجة الحرب، كالكسور أو الشظايا، يعانون زيادة في الألم والتيبس مع البرد، وقد تتراجع قدرتهم الحركية مؤقتًا. ويرجّح أنّ نحو 50% من مصابي الحرب بالكسور أو اضطرابات الأعصاب تتفاقم آلامهم الجسدية خلال فصل الشتاء.

في هذا الإطار، يقدّم الرنتيسي جملة من الإرشادات الطبية التي يمكن أن تُخفف من وطأة البرد على المرضى، حتى في ظلّ شحّ الإمكانيات في قطاع غزة. ويوضح أنّ الحفاظ على دفء المفاصل يُعدّ أولوية، عبر ارتداء أكثر من طبقة ملابس خفيفة بدلًا من قطعة واحدة ثقيلة، مع لفّ الركبتين والكتفين وأسفل الظهر بقطع قماش أو أوشحة متوفرة، لما لذلك من دور في تقليل التيبّس وتحسين تدفق الدم. 

كما ينصح بالحركة الخفيفة والتمطيط اليومي داخل المنزل أو الخيمة، وتجنّب الجلوس أو النوم لفترات طويلة دون حركة، لأن الجمود يزيد الألم مع انخفاض درجات الحرارة.

ويضيف الرنتيسي أنّ استخدام المسكنات يجب أن يكون بحذر، وضمن الجرعات الموصوفة فقط، محذرًا من الإفراط فيها في ظلّ ضعف التغذية ونقص المتابعة الطبية. ويؤكد أهمية اللجوء إلى بدائل بسيطة غير دوائية، مثل التدفئة الموضعية بقوارير ماء دافئ ملفوفة بقطعة قماش، أو التدليك الخفيف بزيت متوفر لتحسين الدورة الدموية. 

كما يُشدِّد على ضرورة الانتباه إلى أي تغيّر في لون الأطراف أو زيادة مفاجئة في الألم أو التنميل، خاصة لدى كبار السن ومصابي الحرب وحالات البتر، معتبرًا أنّ هذه المؤشرات قد تعكس تدهورًا صحيًا يستوجب تدخّلًا طبيًا عاجلًا متى ما توفّر.

لم يعد الشتاء في غزة مجرد فصل بارد، بل امتداد صامت للحرب؛ تتجدد فيه الأوجاع، وتنكشف هشاشة الحياة داخل الخيام. ومع كل انخفاض في درجات الحرارة وغياب التدفئة، يشتد ألم المرضى والمصابين بأمراض المفاصل والعظام وحالات البتر، فيعدّون الأيام انتظارًا لانقضاء شتاء يضاعف حساسيتهم وأوجاعهم.