في مبنى تتشقق جدرانه الجبسية وتتكسر شبابيكه، يجلس القاضي الفلسطيني زياد ثابت في غرفة خالية تقريباً من الأثاث، يحاول إعادة إشعال شمعة النظام القضائي التي كادت تنطفئ. هذا هو مجمع محاكم دير البلح – المبنى الوحيد للمحاكم النظامية في قطاع غزة بأكملها.
عند الساعة العاشرة صباحاً، لا تكاد تسمع صوتاً في الأروقة سوى وقع أقدام الموظفين العشرة الذين يديرون هذا الصرح الواسع الفارغ. "نستقبل القضايا، لكننا لا ننظر فيها"، يقول أحد الموظفين وهو يفرك يديه ليستمّد بعض الدفء في غرفة لا تحتفظ بحرارتها.
على الطاولة الأمامية، تتراكم أوراق قليلة – أربع قضايا مدنية من العام الماضي، وقضيتان فقط في العام الجديد، جميعها تطلب فسخ أحكام محكمين. "هذه لها حساسية خاصة"، يشرح الموظف، "مددها القانونية تنطلق من تاريخ بدء عملنا في 21 ديسمبر الماضي، لا يمكن تأجيلها".
في الطابق الأول، حيث تُعقد الجلسات – إن عُقدت أي جلسات – يجلس وكيل النيابة أنور عيسى وحيداً. مهمته الوحيدة حالياً: المرافعة في طلبات الكفالة. "نستقبل جميع الدعاوى الجزائية"، يقول، "لكن عملنا يتركز على الإفراج بالكفالة. الجلسات للنظر في صلب القضايا؟ ليس بعد. لا نزال نرتب الأمور".

على الجدار، تعلن لافتة عن "محكمة الصلح"، لكن الباب مغلق بقفل صدئ. بداخلها، تقبع غرفة المحامين التي لم يطرقها محامٍ منذ أسابيع. "المحكمة تعمل داخل محكمة البداية"، يشرح أحد الحراس، "الأمر كله مؤقت... أو هكذا يُقال".
الأقسام الأكثر قسوة في هذه الرحلة هي تلك التي تبدو وكأن الزمن توقف فيها: قسم تنفيذ الأحكام مغلق، وكاتب العدل معطل، وبنك الإنتاج (جهة تحصيل الرسوم) لا يعمل؛ لذلك تُحصَّل الرسوم يدوياً، وفق نظام قديم، بينما يعاني المواطنون من "العملة المهترئة وعدم وجود فَكَّة"، كما يصفها أحد المراجعين، وهو ما يعقِّد عملية التحصيل.
أمام الباب، يقف عنصرا شرطة قضائية فقط. "نفتقر لأبسط الإمكانيات"، يعترف أحدهما، "لا سيارات، ولا وقود، ولا معدات". مهمتهم الوحيدة: تنفيذ أوامر القوة الجبرية الصادرة عن المحاكم الشرعية فقط. قرارات المحاكم النظامية؟ "لم ننفذ أيًّا منها حتى الآن".
القاضيان محمد نوفل وأسامة المسارعي يصلان بانتظام إلى المحكمة، لكن محكمة الاستئناف التي يفترض أن يرأسا جلساتها لم تنعقد ولو لمرة واحدة. "نتواجد، نستعد، ننتظر"، يقول أحد المساعدين بإيجاز.
القاضيان فهمي أبو لبدة وأحمد صالحة – وهما من الوجوه الجديدة التي لم تكن تعمل هنا قبل أكتوبر 2023 (أي قبل اندلاع الحرب) – يحاولان إدارة محكمة صلح بدون مقر، وبدون موارد، وبدون قضايا تذكر.

السؤال الذي يطرح نفسه في كل ركن من أركان هذا المجمع: لماذا يأتي أحد أصلاً؟ الإقبال ضعيف من المحامين والمواطنين على حد سواء. العدالة التي تقدمها هذه المحكمة أشبه بوعاء جميل بلا محتوى: استقبال للقضايا دون نظر، وتسجيل للصلحيات القديمة دون حل للنزاعات الجديدة، وإجراءات شكلية تهدف أساساً إلى الحفاظ على "المدد القانونية" أكثر من تحقيق العدالة.
في الطابق الأرضي – الذي كان يعجُّ يوماً بالنشاط – تُغلق الأبواب وتُغطَّى المعدات بالأتربة. الكهرباء تعمل، وهذا قد يكون الحد الأقصى من "البنية التحتية" المتاحة.
المعوقات قائمتها طويلة: عملة متداعية، ورسوم متزايدة (من 10 إلى 30 شيكل للتبليغ بسبب غلاء المواصلات)، وبنية تحتية متضررة، ونقص حاد في الكوادر، وغياب شبه كامل لأجهزة التنفيذ.
"هناك معيقات كبيرة جداً تمنع عودة العمل إلى الوضع الطبيعي"، يقول المحامي مروان بارود الذي أعدَّ تقريراً ميدانياً عن واقع القضاء، وهو ينظر إلى المبنى الفارغ. "ما نراه هنا ليس نظاماً قضائياً، بل ذاكرة لنظام قضائي، جثة تحاول بعض الأيدي المخلصة إعادة نبضها".

مع دخول عام 2026، تواجه محاكم غزة معادلة مستحيلة: كيف تقدم عدالة بلا موارد؟ كيف تنفذ أحكاماً بلا شرطة قضائية؟ كيف تكتسب ثقة بلا فعالية؟ أسئلة كثيرة تُطرَح في سياق البحث عن نظام قضائي أكثر كفاءة، وبخاصة في ظل التداعيات الكارثية للحرب على النسيج المجتمعي، والتي أدت في كثير من الأحيان إلى انفراط العقد الأخلاقي، فشاعَت الجريمة وبخاصة السرقة والمشاحنات، وقضايا الطلاق والنفقة، عدا عن النزاع القائم على الميراث، وغيرها عشرات القضايا.
من جهته، رسم المحامي والمستشار القانوني محمد عبد القادر أبو علوان صورةً قاتمةً لواقع القضاء في قطاع غزة تحت الحرب، حيث يرى أن التحديات تمسُّ جوهر العدالة ذاتها. ووصف في شهادته كيف أن الحرب عطَّلت المبدأ الأساسي المتمثل في "الوصول إلى العدالة"، حيث يحرم القصف والنزوح وتدمير البنية التحتية آلاف المواطنين من حق التقاضي الفعلي.
وأضاف أبو علوان أن البنية التحتية القضائية تعاني من انهيار أو تضرر بالغ، مع تدمير مباني المحاكم وأرشيفاتها، مما يؤدي إلى فقدان ملفات مهمة وتأخير لا نهائي للإجراءات. وأوضح أن سير القضايا قد توقف أو تعثَّر بشدة نتيجة عدم انتظام الجلسات، وصعوبة إحضار الموقوفين والشهود، وتعذُّر تنفيذ التبليغات القضائية، مما يجمِّد آلاف الملفات دون أفق زمني واضح للحل.

ولفت إلى خطر جوهري يتمثل في "المساس بضمانات المحاكمة العادلة"، حيث إن الظروف الأمنية القاسية قد تُهدد علنية الجلسات، وتُقيِّد حق الدفاع، وتؤثر على سرعة الفصل في القضايا، بل وقد تمسُّ باستقلالية القرار القضائي نفسه. وذكر أن القضاة وأعضاء النيابة يعملون تحت ضغط نفسي ومهني هائل، فهم يعيشون تحت وطأة القصف وفقدان الأمن الشخصي، مما ينعكس سلباً على تركيزهم وجودة أحكامهم.
كما أشار إلى أن إشكالية "تنفيذ الأحكام" تشكِّل مأساة مستقلة، حيث تصبح الأحكام – حتى إن صدرت – حبراً على ورق في ظل غياب أو انشغال الأجهزة التنفيذية بالوضع الأمني الطارئ. وحذَّر من تراكم قضائي غير مسبوق ستكون تبعاته ممتدة لسنوات حتى بعد انتهاء الحرب، مؤكداً أن الفئات الهشَّة – كالنساء والأطفال والعمال – تدفع الثمن الأكبر، حيث تتفاقم قضايا الأسرة والنفقة والعنف دون وجود منظومة قضائية قادرة على الحماية.
ونبَّه المحامي أبو علوان إلى غياب التخطيط طويل الأمد، حيث أصبح العمل القضائي مجرد رد فعل للطوارئ، مما يضعف القدرة على التعافي المؤسسي لاحقاً. واعتبر أن أخطر النتائج هو "تآكل ثقة المجتمع" بمنظومة العدالة ككل، عندما يرى المواطن عجز القضاء عن إنصافه في أحلك لحظاته.
وفي خلاصة مؤلمة، رأى أبو علوان أن العمل القضائي في غزة يواجه تحديات استثنائية تهدد أسس العدالة، داعياً إلى البحث عن حلول مرنة كالقضاء المتنقل والبدائل الرقمية لحفظ الوثائق، وأطر قانونية واضحة توازن بين ضرورات الحرب وحماية الحد الأدنى من الحقوق، دون أن نستسلم لحالة التعطيل أو نتجاهل المبادئ التي تقوم عليها أي سلطة قضائية.
ومن الواقع المعايَش ميدانياً، فإن الناس في الغالب باتوا يَحكُمون العرف العشائري في فض النزاعات القائمة بينهم، بما فيها قضايا الشجار العائلي، والخلافات الأسرية، وحتى قضايا القتل والسطو والسرقة، والحوادث المرورية.
غير أن هذا لا يعني بحال من الأحوال أن القضاء العشائري قد تحول خلال عامين إلى رديف للنظام القضائي في قطاع غزة. وهذا ما أكده رجل الإصلاح أبو محمد اللحام، الذي قال إن فضَّ النزاع وطلب الصفح في الحوادث الفردية والمشاجرات العائلية يمكن تبنِّيه، لكن قضايا أخرى كالميراث والفصل فيما بين المتنازعين عليه يصعب أن يحكم فيها القضاء العشائري.
يوضح اللحام، الذي يرتدي جلباباً أبيضاً ويقلب حبات مسبحته، أن إعادة هيبة القضاء أمر واجب، "وأن تفعيل المحاكم النظامية احتياج ملح في هذا التوقيت، رغم التحديات الكبيرة التي يمكن أن تواجهه، ولكنه لا مفر منه على اعتبار أنه يمسُّ جوهر حياة المواطنين ويضع حداً للتغوُّل والانفلات من العقاب".
وبعودة مجدداً إلى مبنى مجمع المحاكم بدير البلح، فإن الخارج منه يترسخ لديه انطباع بأن العدالة هنا أصبحت خدمة هامشية، طقوساً شكلية. وفي الوقت الذي يحتاج فيه أهل غزة – أكثر من أي وقت – إلى عدالة ناجزة وفعَّالة، يبدو أن القضاء النظامي يعيش على هامش الوجود، يحاول البقاء أكثر مما يحاول العمل.
السؤال الذي يلوح في الأفق: هل هذه بداية متواضعة لنهضة قضائية، أم أنها النهاية المؤسسية لنظام لم يعد قادراً حتى على محاكمة نفسه؟


