في غرفة ضيقة بمستشفى الوفاء بمدينة غزة، تستلقي الحاجة أمينة أبو البيض (65 عامًا) على سرير معدني بارد. تحدّق في السقف ثم تنقل بصرها نحو المسنات اللواتي يشاركنها الغرفة ذاتها.
جميعهن يعانين تّداعيات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكثر من 22 شهراً. كلما تذكرت الحاجة أبو البيض اللحظة التي قُصفت فيها دار الوفاء لرعاية المسنين في مدينة الزهراء وسط قطاع غزة، يتسلل إلى أنفها رائحة البارود ويتناها إلى مسامعها صوت الانفجار الذي هز الأركان وجاء على الدار التي قضت فيها وقتا طويلاً وكانت بالنسبة لها الملاذ الآمن.
تستقر هذه السيدة اليوم هنا في المقر الثاني لدار الوفاء وسط مدينة غزة، تعيش داخل غرفة جدرانها باهتة متشققة بفعل الاهتزازات المتكررة الناجمة عن القصف. تختلط في الغرفة رائحة الدواء برائحة الرطوبة.
الأسرة المعدنية مصطفة بمحاذاة بعضها، بالكاد تترك مجالًا للحركة، ولا يُسمع سوى صرير خافت من المراوح القديمة حين تتحرك ببطء، وصوت أقدام الممرضات على البلاط البارد.
مرّ عام ونصف على الحادثة، لكن الزمن لم يخفف وطأتها. ما زالت صور الدماء والجرحى من رفاقها حاضرة في ذهنها. تقول الحاجة أبو البيض بصوت واهن: "تعبت من الحرب، كل يوم أخبر نفسي غدًا ستنتهي، لكن الأوضاع تزداد سوءًا".
نزوح متكرر واكتئاب حاد
بعد القصف، انتقلت أبو البيض برفقة زميلاتها والطاقم الطبي إلى مستشفى يافا في دير البلح وسط قطاع غزة، وهو مستشفى صغير ومغلق بلا حديقة يقع في منتصف المحافظة.
هناك غرقت في نوبة اكتئاب، انتظرت أن تعود إلى سريرها وحديقة الدار الصغيرة، لكن حتى بعد وقف إطلاق النار المؤقت في يناير الماضي، لم يحدث ذلك.
تقول وهي تمسح دمعة عن وجهها المرهق: "تحطمت نفسيتي من النزوح، عشت أيامًا صعبة، لا يقوَ أحد من أقاربي على زيارتي وهذا أزعجني جداً، حيث أشعر بالوحدة".
روتينها اليومي وزملائها في المكان يبدأ بالاستحمام والإفطار المتواضع: حمص ورغيف خبز. ثم تقضي وقتها بتصفح الإنترنت حيث تتابع أخبار الحرب، وهو ما يضاعف حزنها.
أما الغداء، فلا يتجاوز الأرز أو شوربة العدس. تهمس: "اشتقت للفاكهة وللبندورة والخيار، نفسي آكلهم كل يوم مثل زمان".
خسائر بشرية وصحية في دار الوفاء
ليست أمينة وحدها في هذه المعاناة. رافقها 20 مسنًا ومسنة (8 رجال و12 سيدة) في رحلة نزوح. وبحسب إدارة الدار فإن 12 شخصاً من نزلاء الدار توفوا بسبب سوء التغذية وشح الأدوية.
تأسست دار الوفاء لرعاية المسنين عام 1980 كأول وأقدم دار في قطاع غزة تستقبل كبار السن ممن تجاوزوا الستين بلا معيل أو دعم مادي. لكن القصف الإسرائيلي في نوفمبر 2023 دمّر الدار وقتل مديرها مدحت محيسن وأصاب أطباء ومسنين، محوّلًا الملاذ إلى ركام، بحسب إفادة العاملين فيها.
يصف محمد شكري، أحد مسؤولي الدار، الحياة في الدار قبل الحرب بأنّها "أشبه بالنظام الفندقي الرائع": طابق كامل للمبيت، صالة رياضة، علاج طبيعي، وحديقة جميلة.
يضيف شكري: "لكن الآن فقدنا كل شيء، حتى الطعام أصبح صعبًا في ظلّ سياسة التجويع التي يفرضها الاحتلال على القطاع".
في الممر الطويل المؤدي إلى قسم النساء، تناثرت كراسٍ بلاستيكية يجلس عليها بعض المسنين يتأملون الفراغ أو يحدّقون عبر النوافذ الصغيرة التي تطل على مدينة غارقة في الخراب وخيام النازحين. أحيانًا يقطع السكون صوت كرسي يُجرّ على الأرض، أو همهمة مسنّ يردد أدعية بصوت خافت.
خلال الأشهر الأخيرة، توفي ثلاثة مسنين إضافيين بسبب سوء التغذية. وجباتهم اقتصرت على الحمص والخبز أو أرز يقدمه "المطبخ المركزي العالمي" أو شوربة عدس وبرغل. وذلك بسبب موجة الغلاء الفادحة التي أصابت قطاع غزة جرّاء تفاقم ظروف المجاعة كواحدة من تداعيات إغلاق الاحتلال الإسرائيلي للمعابر ومنع إدخال المنتجات.
حتى الحفاضات لم تعد متوفرة؛ يقول شكري إن ما يتوفر في الأسواق هي كميات محدودة للغاية وتُباع بأسعار باهظة جدًا"، مشيرا إلى أن أحد المبادرين تبرع بحفاضات نايلون يعاد استخدامها، لكنها تسببت بأمراض جلدية مؤلمة لكبار السن.
اضطرابات نفسية حادة
إلى جانب الجوع، يواجه المسنون اضطرابات النوم. بعضهم يستيقظ مذعورًا من الانفجارات، والبعض الآخر يعجز عن النوم كليًا. كثير من النساء يرفضن العودة لغرفهن ويفضلن السهر مع الطاقم الطبي خوفًا من القصف.
يقول شكري: "حاول بعض المبادرين تقديم دعم نفسي وجلب الفاكهة. في آخر مرة جاء أحدهم ومعه تين وعنب، فرحت المسنات كأنهن عدن للحياة للحظة قصيرة".
لكن الاكتئاب يظلّ حاضرًا بين جميع المسنين من قاطني الدار. إحدى المسنات رفضت الطعام لأيام طويلة، ولم تتحسن إلا بعد زيارة شقيقتها، لكن الانتكاسة عادت سريعًا.
وتجسدت مظاهر الاكتئاب لدى المسنين في أكثر من شكل: الانطواء، تجنب الحديث، فقدان الرغبة في التفاعل، وصعوبة أداء مهام الحياة اليومية.
وقال المختص الاجتماعي عرفات حلس: "إن غالبية المسنين، إن لم يكن جميعهم، أصيبوا بالاكتئاب خلال الحرب".
ويضيف حلس: "زيارة الأقارب ولو لفترات قصيرة تمنحهم طاقة هائلة وتعيد لهم الإحساس بأنهم غير منسيين". لكنه شدد على أن هناك حاجة إلى تكثيف المبادرات: جلسات ترفيهية، برامج تفريغ نفسي، أو زيارات تضامنية.
ووفقًا لـ مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، يعيش كبار السن في غزة في ظروف إنسانية كارثية مع انعدام الأمن الغذائي وتراجع الرعاية الصحية. وتؤكد منظمة الصحة العالمية (WHO) أن الأوضاع النفسية للمسنين في الحروب تتدهور سريعًا عند غياب الدعم الأسري والمجتمعي.
واقع يهدد الحياة
المكان الذي يُفترض أن يمنح راحة وأمانًا، يبدو اليوم أقرب إلى محطة انتظار طويلة لا تنتهي. الليل هناك ثقيل، لا يقطعه سوى صفير الريح من النوافذ المكسورة، أو سعال مسنّ في غرفة مجاورة، أو نحيب خافت يتردد في الظلام.
تبقى أمينة، مثل زملائها في دار الوفاء، معلقة بين الأمل واليأس. تسلي وقتها بتقليب حبات المسبحة اللامعة التي لا تفارق يدها، وتلجأ إلى الإنترنت لمتابعة الأخبار. وبينما يتناقل المسنون أحاديث الحرب والنزوح، تتشابك أيديهم بالدعاء الصامت: "اللهم الستر".
كبار السن في غزة