كيف يعيش ذوو الإعاقة الذهنية يوميات الصراع؟

كيف يعيش ذوو الإعاقة الذهنية يوميات الصراع؟

في الشتاء الماضي، وقفت رنا أكرم (43 عامًا) أمام خيمتها تنظر إلى الفراغ بعدما تسرّب المطر إلى القماش المهترئ، فابتلت كل الأغطية والحقائب. كانت تأخذ نفسًا متقطعًا بينما البرد ينخر في عظامها وقطرات المطر تختلط بدموعها، وفجأة لمحت طفلها محمد (14 عامًا) المصاب بإعاقة ذهنية وهو يزحف على الرمال. هرعت نحوه لتجده وقد امتلأت حفاضته وتسرّبت إلى ملابسه. تقول بصوتٍ مكسور: "ابني غير مدرك لما يجري حوله".

قبل نشوب الحرب، وفرت العائلة لمحمد الذي يُعاني من شللٍ دماغي منذ الولادة كل وسائل الراحة: أجود أنواع الملابس، وأفضل المختصين في العلاج الطبيعي والعلاج الوظيفي السلوكي، وكانت تلمس تحسنًا ملحوظًا في حالته. لكن مع اندلاع النزاع توقفت برامج علاجه كليًا، لتتراجع حالته وتزداد تشنجاته بشكلٍ مقلق. 

تضيف الأم بعد تنهيدة طويلة: "كان لديه كرسي متحرك فقدناه في منزلنا المدمر بالشجاعية شرق مدينة غزة، وأصبحنا نتناوب على حمله في كل نزوح، ما ضاعف معاناتنا".

تستذكر أكرم إحدى الليالي القاسية حين أصيب طفلها بنوبة تشنج حادة أثناء نزوحهم إلى منطقة المواصي بخانيونس جنوب قطاع غزة. المكان كان يلفه صمت يُشبه منع التجوال، وأي حركة قد تعني استهدافًا. لم تتوفر سيارات إسعاف أو مواصلات، فاضطر والده وإخوته إلى حمله مسافة طويلة على الأقدام حتى مستشفى ناصر الطبي، بينما أزيز الطائرات ودويّ الصواريخ لا يتوقفان. تتابع: "كانت ليلة مرعبة لا تمحى من ذاكرتي".

مع ارتفاع تكاليف العلاج والأدوية إلى أكثر من ألف شيكل شهريًا، وشراء الحفاضات بسعر يصل إلى 30 شيكلًا للقطعة الواحدة، وجدت الأم نفسها مضطرة لبيع آخر ما كانت تحتفظ به من المصاغ، لتغطية هذه الاحتياجات. تقول: "أُرهقنا ماديًا جدًا، صرفنا تحويشة العمر على علاجه، وهذا أثر حتى على شرائنا للطعام؛ لكن بين الطحين والعلاج، كانت احتياجات محمد أولى".

اليوم بالكادّ تستطيع هذه السيدة التفاهم مع طفلها، الذي كلما أراد شيئًا دق رأسه في الأرض أو الجدار. يعاني من فرط حركة ويزحف بشكل غير طبيعي في كل مكان، وزادت معاناته بفقدان أكثر من عشرة كيلوغرامات من وزنه بسبب سوء التغذية وغياب الأدوية التي كانت تحسّن حالته.

الإعاقة الذهنية تعني أن الشخص سواء كان طفلًا أو كبيرًا، يواجه صعوبة دائمة في التعلم والتواصل والاعتماد على نفسه، وقد تتراوح شدتها بين بسيطة وأخرى تحتاج إلى رعاية مستمرة. وفي غزة، حيث انهارت الخدمات الصحية وتوقفت برامج التأهيل، تحولت هذه الصعوبات إلى عبء مضاعف على الأسر التي فقدت كل وسائل الدعم.

أرقام كارثية داخل الحرب

محمد ليس وحيدًا في هذه المعاناة. فالأرقام المحلية ترسم مشهدًا أوسع وأكثر قسوة: منذ بداية الحرب سُجلت 37 ألف حالة إعاقة جديدة، ليرتفع العدد الكلي إلى 148 ألفًا (أي ربع سكان غزة تقريبًا). وتشكل الإعاقات الذهنية منها ما نسبته 10–14%، بينهم ما يقارب 8–10 آلاف طفل من ذوي الإعاقة الذهنية في غزة.

المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان كشف أن قطاع غزة يشهد 30 إصابة يوميًا بإعاقات دائمة، بينها 4800 حالة بتر و1200 حالة شلل كلي. كما دُمّر 80% من مراكز التأهيل المتخصصة، وتوفي أكثر من 9 آلاف جريح لغياب العلاج، بينهم 400 شهيد من ذوي الإعاقة.

بين هذه الأرقام تبرز قصة عائلة الجمل. فقد وضعت الحرب نهاية مأساوية لمعاناة ابنها كرم (26 عامًا)، المصاب بإعاقة ذهنية، والذي كان يعتمد على نظام غذائي خاصّ من الفواكه المهروسة بسبب ضعف عضلات الفك وعدم قدرته على المضغ. مع شح الغذاء، استُبدل طعامه بمكملات الأطفال "السيريلاك" النادرة. 

ومع تفشي المجاعة في أبريل الماضي، فقد أكثر من نصف وزنه. يقول عمه محمد: "كنا نذهب به للمستشفى ليضعوا له المحاليل العلاجية ويحاولوا السيطرة على التشنجات، لكن المحاولات فشلت حتى توفي بسبب سوء التغذية".

كرم لم يكن الوحيد في عائلته؛ فشقيقه الآخر يقاسي من الأعراض نفسها ويعيش ظروفًا صحية قاسية وعزلة تامة جرّاء استمرار ظروف المجاعة والحصار، بينما ما زالت الأسرة تحاول توفير الفواكه أو الطعام المهروس له، لكن دون جدوى أو تحسن ملموس على حالته.

الالتزامات القانونية المفقودة وغياب المؤسسات

هذه الوقائع التي يعيشها ذوو الإعاقة الذهنية في غزة تحت وطأة الحرب تتناقض كليًا مع ما تنصّ عليه المواثيق الدولية. فالمادة 11 من الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة تلزم بحمايتهم في أوقات النزاع المسلح، بينما تضمن المادة 28 الحق في حياة متكاملة تشمل الغذاء والمأوى والعناية الطبية. لكن على الأرض كان الواقع مختلفًا.

بدوره، وصف المرصد الأورومتوسطي ممارسات الاحتلال الإسرائيلي ضدّ ذوي الإعاقة في قطاع غزة تحت وقع النزاع بأنّها "انتهاكات ممنهجة ترقى لجريمة إبادة جماعية".

تتساءل عائلات ذوي الإعاقة الذهنية، التي لم تتلق أي مساعدة منذ أكثر من اثنين وعشرين شهرًا، عن دور المؤسسات المختصة: "لماذا لا تتوفر الأدوية والمستلزمات الأساسية على الأقل بشكل مجاني؟".

وزارة التنمية الاجتماعية في غزة لم تُعلن عن خطط جديدة أو استحداث مراكز بديلة لحماية هذه الفئة من تدّاعيات الوضع الراهن. غسان فلفل، مدير دائرة تأهيل ذوي الإعاقة، يقرّ بمحدودية الدور الوزاري، ويقول: "لم نستطع تخصيص أي خطط طوارئ واضحة وممولة لهذه الفئة منذ بدء النزاع".

المشهد يتكرر عند مؤسسات المجتمع المدني. مصطفى عابد، مدير برنامج التأهيل المجتمعي في جمعية الإغاثة الطبية، يقول إنّ التمويل الذي يصل لا يغطي 1% من الاحتياجات. 

يضيف عابد: "تدمّرت مؤسسات عديدة مثل مظلة الرحمة وفلسطين المستقبل، وقبل الحرب كان نحو 500 طفل يتابعون مع مراكز الرعاية اليومية، أما اليوم فقد تدهورت حالتهم مع غياب العلاج والطعام، ووجودهم في خيام غير مؤهلة ولا تضم طواقم متخصصة".

في السياق ذاته، يؤكد إياد الكرنز، منسق قطاع الإعاقة في شبكة المنظمات الأهلية، أن الحرب وضعت الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية في وضع كارثي. يقول: "هم بحاجة إلى رعاية خاصة وكراسٍ متحركة ونظام غذائي محدد، لكننا بالكاد نوفر طرودًا غذائية وملابس وأدوات صحية قليلة جدًا لا تغطي الجميع". 

ويشير الكرنز إلى أن هذه الفئة تعاني من نهم للطعام بسبب خلل في أجهزة الجسم المسؤولة عن الشبع، ما يضاعف العبء على عائلاتهم خصوصًا في فترات المجاعة.

على الرغم من ضآلة المساعدات، يوضح عابد أن الأولوية في حال التوصل إلى وقف إطلاق النار بين طرفي النزاع، ستكون لإعادة فتح مؤسسات الرعاية ودمج الأطفال من جديد، مع تخصيص طواقم طبية وجلسات للنطق والعلاج الطبيعي، إضافة إلى توفير الأدوية والمستلزمات.

قبل الحرب، كانت عائلات المصابين بالإعاقة الذهنية تبذل ما بوسعها لتأمين حياة أفضل لأولادها. اليوم بالكاد تؤمن لهم الطعام، في زمن غابت فيه المؤسسات وتراجعت القيم، وتُركت الفئات الأشد هشاشة تواجه القصف والجوع والتشريد وحدها.

تعود رنا أكرم لتسأل، بينما تحتضن ابنها الذي فقد وزنه وحركته الطبيعية: "هل سيفقد أبناؤنا حياتهم بالقصف، أم بالجوع، أم بالمرض؟ سؤال مفتوح يلخص مأساة ذوي الإعاقة الذهنية في غزة في زمن الحرب والمجاعة.