نساء بلا نفقة في غزة
تعاني نفين الحاطوم (44 عامًا) وأطفالها السبعة من أوضاع ماديّة صعبة، بعد توقف صرف النفقة التي كانت تعتمد عليها منذ سنوات. أصغر أبنائها يبلغ 13 عامًا، فيما اضطر الابن البكر (15 عامًا) إلى ترك الدراسة والعمل على عربة صغيرة لبيع المواد الغذائية، لكن دخله الضئيل لا يكفي إلا لتأمين وجبة واحدة يوميًا في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الطعام.
كانت نفين تعتمد على مبلغ شهري يتراوح بين (250 و270) دينارًا، يُقتطع من راتب زوجها الموظف في السلطة الفلسطينية منذ عام 2017. لكن مع بداية الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023، توقفت هذه التحويلات فجأة، ولم تُجدِ محاولاتها المتكررة للتواصل مع البنك والمستشار القانوني أي نفع.
وما يفاقم الأزمة أن زوجها، الذي يعيش خارج القطاع، كان يوجه راتبه بالكامل نحو سداد الديون، مما جعل الأسرة بلا أي مصدر دخل. وتشير التقديرات المحلية إلى أن معدلات البطالة في غزة تجاوزت 80%، مما يجعل إيجاد فرص عمل أمرًا شبه مستحيل، وهو واقع تعيشه آلاف العائلات مثل عائلة الحاطوم، التي تقبع في منزل متضرر بسبب القصف، وتكافح من أجل البقاء وسط ظروف قاسية.
معاناة هذه الأسرة ليست استثناء؛ فبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، شهدت محاكم غزة حتى فبراير 2023 إيداع أكثر من 44 ألف قضية غير مفصولة، بينها ملفات نفقة متراكمة منذ سنوات. وفي عام 2020 وحده، دُوِّرت أكثر من 111 ألف قضية، لم يُفصل منها إلا في قرابة 67 ألفًا.
اليوم، بعد تدمير معظم المحاكم ومقتل عدد من القضاة والموظفين، تبدو إمكانية البت في تلك القضايا أقرب إلى المستحيل؛ ما يترك آلاف النساء معلقات بين قانون فلسطيني لا يُطبق ومحاكم شرعية متوقفة.
صندوق النفقة الفلسطيني: قانون معطّل
المستشار القانوني أحمد المصري يقول إن صندوق النفقة الذي أقره القانون الفلسطيني عام 2005 ظلّ حبرًا على ورق رغم النداءات المتكررة لتفعيله.
ويشير المصري إلى أنه كان من المفترض أن تتكفّل الدولة بدفع النفقة للنساء مؤقتًا ثم تستردها من الأزواج، لكن غياب تفعيله حوّل حياة العديد من النساء إلى سلسلةٍ من المآسي خاصة جرّاء الوضع الراهن.
ويؤكد أنه وثّق أربع حالات لنساء تعرضن للاستغلال الجنسي مقابل الحصول على مساعدة مالية. وقال: "لا أحد يعتبر قضية النفقة أولوية، لا في غزة ولا في الضفة الغربية"، مشيرًا إلى أنّ مؤسسات المجتمع المدني فشلت في سدّ هذه الثغرة القانونية.
القانون الفلسطيني نصّ على إنشاء صندوق لضمان تنفيذ أحكام النفقة بقرار رقم (6) لعام 2005، وعدل لاحقًا بقرار رقم (12) لعام 2015، لكن بسبب الانقسام السياسي بقي الصندوق مفعّلًا في الضفة الغربية فقط، بينما ظل معلقًا في غزة.
المحاكم الشرعية شبه متوقفة
وسط هذه الأزمة القانونية، تجد آلاف النساء أنفسهن بلا حماية، عالقات بين محاكم شبه متوقفة، وقوانين معطلة، واعتماد هش على العرف الاجتماعي.
في حي آخر من أحياء مدينة غزة المدمرة، تجلس ندى الحداد (32 عامًا) على فراشٍ أرضي وهي تمسك بعلبٍ فارغة كانت يومًا ما تحوي طعامًا لأطفالها الثلاثة. منذ عام 2022، كانت تحصل على مبلغ (100) دينار شهريًا كنفقة بعد معركة قضائية استمرت عامًا كاملًا.
لكن نتيجة نشوب النزاع توقف حصولها على هذا المبلغ. تقول الحداد بينما تمسح دموعها: "ابني الصغير يعاني من سوء تغذية من الدرجة الثانية، ولا أملك ما أقدمه له". وتشير التقارير الأممية إلى أنّ أكثر من نصف سكان القطاع يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، بينما يعجز الكثيرون عن توفير الحد الأدنى من السعرات الحرارية لأطفالهم.
لذلك لجأت ندى إلى بيع الحلويات على عربة صغيرة، لكن دخلها لا يكفي، فأسعار السلع الغذائية تضاعفت بشكل جنوني، ومع شُح المساعدات وانهيار سلاسل التوريد، لم تعد الأسواق توفر إلا القليل، وغالبًا بأسعار تفوق قدرة العائلات المعدمة على الشراء. وعندما حاولت تجديد ملف النفقة في المحكمة الشرعية، جاءها الرد: "القضايا متوقفة بالكامل".
مع توقف العمل الشرطي منذ أشهر، تعطلت معاملات المحاكم المتعلقة بالنفقة. يوضح رأفت الحولي، مدير وحدة الشؤون القانونية في ديوان القضاء الشرعي، أنّ "شروط صحة أركان الدعوى القضائية باتت معدومة، فلا مكان معلوم للتقاضي، ولا مبلّغين، ولا وزارة داخلية فاعلة".
وقال الحولي: "الاختصاص المكاني انعدم، وكذلك الاختصاص للسلطة، ولا جدوى من قضاء لا توجد له قوة على الأرض لتنفيذ أحكامه".
حتى خلال فترة وقف إطلاق النار المؤقت (19 يناير – 18 مارس 2025)، اقتصرت عودة المحاكم الجزئية على قضايا حصر الإرث والوصاية، بينما لم تُنظر أي قضايا نفقة. وهكذا أصبح التحكيم العرفي والوساطات غير الرسمية الملاذ الوحيد، لكنه غير مُلزِم قانونًا.
التحكيم العرفي بديل هش
يحاول المحامي محمود عفانة وزملاؤه التعويض عبر "الوساطة القانونية" بإقناع الأزواج بدفع النفقة وديًا. ويقول: "نجحنا في بعض الحالات، لكنها ليست حلًا"، مشيرًا إلى أنّ سلطة النقد الفلسطينية كانت قد أصدرت قرارًا برفع الحجوزات عن الرواتب بما فيها النفقات والمهور، لكن غياب الجهاز التنفيذي جعل القرار بلا أثر.
في أحد مراكز دعم النساء النازحات غرب مدينة غزة، كانت أم أحمد (38 عامًا) تنتظر دورها في جلسة علاج نفسي. أكثر من اثنين وعشرين شهرًا أمضتها في أروقة المحاكم، تتنقل بين الأوراق والجلسات من أجل نفقة لم تصل.
وحين خابت كل محاولاتها، لجأت إلى رجال الإصلاح الذين أقنعوا زوجها بدفع مبلغ زهيد لا يتجاوز (50 دينارًا) شهريًا، أي ما يعادل (200 شيكل). تبتسم بمرارة وهي تقول: "المبلغ لا يساوي شيئًا أمام أسعار الطعام الباهظة، لكنه أفضل من لا شيء".
دور المجتمع المدني محدود
ويصف المحامي يوسف بعلوشة من جمعية الدراسات النسوية الوضع بأنه "انهيار شبه كامل للمنظومة القضائية"، حيث تعمل المحاكم بالحدّ الأدنى: محكمة الشيخ رضوان تُفتح فقط ثلاثة أيام في الأسبوع، بينما باقي القضايا مجمّدة.
يتابع بعلوشة: "من بين 25 سيدة نستقبلها في الجمعية، هناك سبع قضايا نفقة معلقة، وبعض النساء يضطررن للجوء إلى المخاتير لحل نزاعاتهن". وبينما تحاول الجمعية تقديم جلسات توعية ودعم نفسي، تبقى المساعدة رمزية وغير قادرة على سدّ الأزمة المالية.
حقوق النساء في مهب الريح
في ظلّ اتساع رقعة البطالة، وانعدام الأمن الغذائي الحادّ، والغلاء الجنوني والمتأرجح في أسعار السلع الأساسية في قطاع غزة في ظلّ احتدام الصراع، تتحول النفقة من حق قانوني إلى مسألة حياة أو موت بالنسبة لكثير من النساء المعيلات.
بين محاكم شبه متوقفة، وقوانين معطلة، ونساء بلا سند، تتسع الهوة أكثر يومًا بعد يوم. ومع غياب قوة قانونية على الأرض، تبقى النساء في غزة عالقات بين انتظار نفقة لا تصل، واعتماد مؤقت على أعراف اجتماعية وتحكيم عرفي هش. وبين أنقاض البيوت والمحاكم، يظل السؤال معلقًا: مَن سينقذ ما تبقى من حقوق النساء والأطفال في غزة؟
النساء يرحمن من النفقة بفعل الحرب وغياب المحاكم