بين جدران أحد مصانع الملابس في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة، يقف محمد عوض الله في مصنعه الصغير بين صفوف العمال، يتفحص الأقمشة بعين الخبير يُراقب مراحل القص والحياكة كاملة. اليدّ التي كانت تصنع من أجود الخامات قبل الحرب، تمسك اليوم بقطع رديئة وقديمة، لكنها كل ما توفره السوق.
يقول وهو يمرر أصابعه على القماش: "قبل الحرب، كانت القطعة تكلفنا نحو 70 شيكلًا وهو نصف ما تكلفه اليوم تقريبًا بقيمة 150 شيكلًا، أما الآن فقد تضاعفت التكلفة رغم أن القماش أقل جودة، وذلك بسبب الارتفاع الكبير في أسعار الإكسسوارات والخيوط والأجور والوقود الذي كان يُباع بـ 7 شواكل للتر الواحد أما اليوم يصل إلى 95 شيكلا".
ويضيف: "نعاني من نقصٍ حادّ في الأقمشة بسبب إغلاق المعابر، وهناك احتياج كبير في السوق المحلي نتيجة استمرار القصف وخسارة الناس مستلزماتهم". يتوقف عن الحديث ليستعرض صور مصنعه في مدينة رفح جنوب القطاع الذي فقَدَه بكل معداته بعد الأشهر الستة الأولى من الحرب.
منذ اثنين وعشرين شهرًا قبل اندّلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، كانت ماكينات الحياكة تعمل بطاقةٍ كاملة في مصنع "أزياء عوض الله"، أما اليوم فالإنتاج لا يتجاوز نصف القدرة السابقة وبجودة أقلّ، إذ تستغرق القطعة الواحدة يومين بدلًا من يوم واحد قبل النزاع، ويتم ترقيع معظم القطع لتجاوز العيوب الناتجة عن رداءة الأقمشة. فيما تقترب الأقمشة المتبقية من النفاد خلال شهرين، ليواجه مع عماله خطر إغلاق أبواب المصنع وفقدان مصدر رزقهم.
لا يواجه عوض الله أزمة ضعف جودة الأقمشة فقط؛ فشُح توفر الأقمشة في السوق المحلي، ونقص الإكسسوارات اللازمة للخياطة، وانقطاع الكهرباء بشكلٍ كلي، كلها تحدّيات يومية تحدّ من قدرّته على العمل كالسابق. يقول بأسف: "أعتمد على مولد كهربائي يستهلك سولار بأسعار باهظة، ويستغرق إنجاز القطعة الواحدة يومين أو ثلاثة وهو وقت طويل جدًا مقارنة بما كان عليه قبل الحرب".
هنا يبرز السؤال: كيف أثرت الحرب في غزة على مصانع الملابس وصناعة النسيج؟
على نحوٍ مُشابه، في مدينة غزة، يحاول أحمد الشنطي، صاحب مصنع "البيان للألبسة"، استعادة نشاطه بعد عودته قبل 6 أشهر من نزوحه إلى محافظات جنوب قطاع غزة في فترة وقف إطلاق النار المؤقت؛ ليجد النيران قد التهمت مخازنه، بينما نجت خطوط الإنتاج بأعجوبة.
اشترى الشنطي أقمشة ومستلزمات بأسعارٍ مضاعفة، وركّب ألواحًا شمسية لتوليد الكهرباء، وبدأ توزيع الإنتاج على التجار في غزة، لكنّ مخزونه شارف على النفاد خلال شهرين كحد أقصى. ويقول وهو يضرب كفيه ببعضهما: "مصنعي، الذي كان يُصدّر إلى الأردن عباءات وجلابيب، بات مهددًا بالإغلاق، ولا يوجد أي توريد حاليًا خارج قطاع غزة". وقد تكبّد الرجل خسائر فاقت 75 ألف دولار، رغم مضاعفة أجور عشرين عاملًا لديه لمجاراة التضخم المعيشي.
أما يحيى عوض الله، صاحب مصنع "الضحى للألبسة"، فقد خسر مصنعه في رفح جنوب القطاع بالكامل، ولم ينجُ منه سوى ماكينتين نقلهما إلى خانيونس. اشترى 3000 متر قماش من مدينة غزة بسعر خيالي بلغ 13 ألف دولار، وبدأ الإنتاج بأربعة عمال فقط يتقاضى كل منهم 100 شيكل يوميًا.
أمّا خسائره الباهظة فقد تجاوزت 100 ألف دولار، إضافة إلى 6000 دولار سُرقت من حسابه البنكي. المواد الخام التي وفرها ستنتهي قريبًا، والانتظار يطول على معبر رفح حيث تتكدس شحنات ملابسه بانتظار السماح بإدخالها.
في أحد أسواق خان يونس جنوب القطاع، كان توفيق رجب، أبٌ لخمسة أطفال، يقلب بين أكوام الملابس المستعملة. يقول: "ملابس أطفالي اهترأت من حياة الخيام والبرد، لكن أسعار الجديد باهظ جدًا، وحتى المستعمل أصبح غالي. أبحث عن أي قطعة تناسبهم، حتى لو كانت قديمة".
بين أوساط الغزيين الذين قلبت الحرب حياتهم رأسًا على عقب، تغيّرت أولويات الشراء تمامًا. لم تعد الجودة في مقدمة المعايير كما كان الحال قبل القصف والحصار، بل أصبحت الندرة هي الحَكَم الأول، والبحث يتركز على ما هو متاح لا على ما هو أفضل.
يقول عوض الله: "الناس تشترى الجديد فقط عند الحاجة القصوى، قطعة أو قطعتين، لكن الشراء زاد لأن الكثيرين فقدوا منازلهم وملابسهم. في المقابل، هناك إقبال كبير على تصليح الملابس، خصوصًا التضييق بعد فقدان الوزن بسبب المجاعة والحرب".
تمسك السيدة آمال عائد بعباءة محلية الصنع وتقول: "لطالما ارتديت ملابس من السوق المحلي بجودة عالية، لكن الآن القماش خشن ورديء والأسعار عالية جدًا، لكن لا خيار أمامي بعدما خسرت كل ملابسي في قصف بيتي".
لا يوجد تقارير رسمية ودقيقة لحجم الضرر الذي تسببت به الحرب الإسرائيلية على قطاع تصنيع الملابس تحديدًا، لكنّ رئيس مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة محافظة غزة عائد أبو رمضان، يقول إنّ توقف الاستيراد، ودمار نحو 85% من مصانع القطاع بحسب تقديرات "أوتشا" جعلا الملابس سلعة نادرة.
ويوضح أبو رمضان أنّهم أطلقوا برامج مدعومة لدفع رواتب العاملين في التصنيع وتوفير سولار لعمل المصانع، وتسويق المنتجات عند مؤسسات كـ "اليونيسف" التي كانت تُطلق برامج قسائم ملابس شرائية، لكنّ هذا الدعم لم يصلّ إلا لعدد محدود جدًا من المصانع.
وأشار إلى أنّ خطة التعافي لن تبدأ إلا بعد وقف إطلاق نار شامل، مع إعطاء الأولوية لمصانع الأغذية ثم الملابس، لكن دون توفر مواد خام أو عودة خطوط الكهرباء للعمل أو إصلاح البنية التحتية سيظلّ السؤال: من أين تبدأ إعادة تشغيل صناعة الملابس في غزة؟
الأرقام ترسم صورة الانهيار الواقع في قطاع غزة. قبل عام 2007، كان قطاع الملابس يشكل 25% من إجمالي الصادرات الصناعية في غزة، ويضم نحو ألف ومئتي مصنعًا، ويشغّل 35 ألف عامل، وينتج 4 ملايين قطعة شهريًا تُصدَّر للأراضي المحتلة. لكن الحصار الإسرائيلي الذي فُرِض عام 2007، قلّص العدد بشكل كبير.
أما اليوم، تفيد بيانات البنك الدولي أن 79% من منشآت القطاع الخاص تضررت جزئيًا أو كليًا، وأن الناتج المحلي الإجمالي في غزة انكمش بنسبة 83% خلال الحرب. وفي ظلّ التدمير العنيف الذي طال كافة القطاعات، انهار الاقتصاد الغزي تقريبًا، وتقدّر الخسائر المباشرة لقطاعي التجارة والصناعة بنحو 2.2 مليار دولار، بينما توقفت نحو 90% من الأنشطة الصناعية.
اقتصاد قطاع غزة اليوم يعمل تحت وطأة "اقتصاد البقاء"، كما يصفه المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر، حيث تحكّم السوق السوداء بالتوزيع والأسعار في غياب سلطة تنظيمية أو دعم رسمي.
كما تحوّلت المصانع الباقية إلى ورش صغيرة تعمل بالحدّ الأدنى، وسط ارتفاع تكلفة الإنتاج بنسبة هائلة، وارتفاع أسعار الملابس بنحو 50%، وشراء السولار ارتفع بنسبة 3000%، وقطع غيار الآلات شبه معدومة، ما يهدد بوقف كامل للإنتاج مع نفاد الأقمشة خلال بضعة أشهر.
ومع اقتراب فصل الشتاء، يبقى السؤال الأكبر الذي يتردد على ألسنة الغزيين: كيف سيوفر السكان الملابس في ظلّ العجز والندرة جرّاء نفاد المخزون واستمرار الحرب والحصار؟
مصانع الملبوسات في غزة