أطفال التوحد يواجهون العزلة والانهيار النفسي

أطفال التوحد يواجهون العزلة والانهيار النفسي

في زاوية من منزلٍ شبه مدمر في حي بيت حانون شمال قطاع غزة، يجلس زين (7 أعوام) على الأرض، يلف أصابعه حول بعضها في حركات متكررة، بينما تنهمر دموع أمه أسماء وهي تحاول أن تلتقط نظراته الهاربة. الهواء مشحون برائحة الغبار والبارود، وفي الخلفية، يتردد صدى انفجار بعيد. زين لا يتكلم، لكن جسده النحيل يرتعش كورقة شجر في عاصفة.

قبل الحرب، كان زين يتلقى جلسات علاجية مكثفة للنطق والحركة، وكانت أمه تلمس تقدمًا بطيئًا لكنه مؤثر. اليوم، كل ما تبقى من تلك الجهود هو ذكرى باهتة. "كان يقول جملًا كاملة، كان يضحك"، تقول أسماء بصوت مكسور، بينما تحاول أن تمنع طفلها من ضرب رأسه بالحائط.

هذه ليست قصة زين وحده، بل قصة آلاف الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد في غزة، الذين وجدوا أنفسهم فجأة بلا رعاية، بلا أدوية، بلا أمان. الحرب لم تدمر المنازل فقط، بل دمرت أيضًا سنوات من التقدم العلاجي، وتركت أطفالًا ضعفاء يواجهون عالمًا من الفوضى والرعب.

الفقدان الذي لا يُعوَّض

في خيمة نزوح بمنطقة المواصي جنوب القطاع، تمسك منى عرفات بيد ابنها محمود (15 عامًا)، الذي كان يرسم ذات يوم لوحات بسيطة لكنها كانت تمثل عالمه الآمن. الآن، يرسم فقط خطوطًا عشوائية على ورقة ممزقة، بينما عيناه تنظران إلى الفراغ.

"كان يعرفنا، كان يضحك مع إخوته"، تقول منى، بينما تحاول أن تمنعه من نزع ملابسه، وهي عادة جديدة ظهرت عليه بعد أشهر من النزوح. "الآن لا يعرف أحدًا، يصرخ إذا اقترب منه أي شخص، حتى لو كان جاره السابق".

محمود واحد من بين 3,000 إلى 5,000 طفل توحدي في غزة، وفق تقديرات محلية. معظمهم كانوا يعتمدون على مراكز تأهيل محدودة الموارد، مثل مركز بيتنا وجمعية الحق بالحياة، التي دُمر بعضها أو أُغلق بسبب القصف والنزوح. اليوم، لم يعد هناك جلسات تخاطب، ولا علاج سلوكي، ولا حتى مساحات آمنة يمكن لهؤلاء الأطفال أن يشعروا فيها بالاستقرار.

الروتين المفقود.. والانهيار النفسي

المختصون يرون أن التوحد اضطراب يحتاج إلى روتين ثابت، إلى جدول يومي واضح، إلى بيئة هادئة، غير أن الحرب سلبت كل ذلك.

"كان ابني ينام في سريره، في غرفته المزينة بصوره المفضلة"، تقول أم زين. "الآن ننام على الأرض، في غرفة واحدة مع عشرات النازحين. كل صوت يخيفه، كل حركة مفاجئة تجعله يصرخ".

الأخصائية النفسية عواطف محيسن توضح أن فقدان الروتين يؤدي إلى انتكاسات خطيرة. "بعض الأطفال عادوا إلى مراحل كانوا قد تجاوزوها منذ سنوات"، تقول محيسن.

وأضافت الأخصائية محيسن "البعض فقد مهارات الكلام، والبعض الآخر أصبح يعاني من نوبات هلع واضطرابات سلوكية حادة".

وأكدت أن ما اسمته "الإهمال المؤسسي سواء من الجهات المحلية أو الدولية"؛ يعكس ما وصفته بـ "الفشل المزدوج" في حماية فئة لا تحتمل التأخير أو التجريب.

وأوضحت أن فقدان الممرّات الآمنة لوصول الفرق المختصة وغياب خطط طوارئ ميدانية يعكسان نقصًا في الإرادة الدولية لتوفير حماية عملية لهذه الفئة، وهو ما يترك الأسر أمام عزلة قاسية وغياب شبه كامل لأي بديل حقوقي أو إنساني يمكن أن يضمن استمرار رعاية أطفالهم.

في أحد المراكز المؤقتة التي حاولت بعض الأسر إنشاؤها في شقق مستأجرة، يحاول أخصائيون متطوعون تقديم الدعم، لكن التحديات هائلة. "لا كهرباء، لا إنترنت، لا أدوية"، يقول أحمد أبو ندى، مدير برامج في جمعية بيتنا. "حتى الجلسات عن بُعد مستحيلة، لأن الاتصال ينقطع كل دقائق".

وذكر أن غياب الروتين المدرسي والعلاجي والنزوح القسري، تسبب في نوبات غضب وتدهور سلوكي حاد لدى الأطفال المصابين بالتوحد، مشددًا على أن هذه الفئة تحتاج إلى بيئة مستقرة وجداول يومية ثابتة للتعامل معها.

بموازاة ذلك، أقرّ غسان فلفل، مدير دائرة تأهيل ذوي الإعاقة بوزارة التنمية الاجتماعية في قطاع غزة، أنّ الوزارة لم تستطيع تخصيص أيّة خطط طوارئ واضحة وممولة لأطفال التوحد منذ بدء النزاع.

يشرح فلفل، الواقع، "خطط الطوارئ التي كانت موجودة على الورق لم تُنفذ، لا تمويل، لا كوادر، لا إمكانيات"، يقول بمرارة. "حتى جمع البيانات أصبح مستحيلًا، لأن العائلات تتشتت يوميًا".

وأفاد بأن محاولات تفعيل خطط الطوارئ تعطلت بسبب النزوح المستمر وصعوبة التواصل مع الأسر، مشيراً إلى أن محاولات جمع بعض الحالات في شقق مؤقتة اصطدمت بواقع أمني وسيول نزوح لا تتوقف، ما جعل إنشاء مسارات متابعة دورية أو قواعد بيانات محدثة أمرًا شبه مستحيل.  

لكن على المستوى القانوني فبدا واضحاً أن غياب خطة طوارئ مخصصة لفئة التوحد في فلسطين، رغم مصادقتها على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عام 2014 التي تنص صراحة على حمايتهم في أوقات النزاع، يُعد إخلالًا قانونيًا بموجب المادة 11 من الاتفاقية، حسبما يقول المحامي منذر الفراني.

 يضيف الفراني "تفرض المادة 11 على الدول الأطراف اتخاذ جميع التدابير الممكنة لضمان سلامة وحماية الأشخاص ذوي الإعاقة أثناء الطوارئ والكوارث والنزاعات المسلحة، وهو ما لم يتحقق فعليًا على أرض الواقع في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب".

إلى جانب ذلك، يعتقد الفراني أن عدم وجود قاعدة بيانات رسمية محدثة وموثوقة "يشكل انتهاكًا جسيمًا"، لأن إجراءات الرصد والتوثيق هي الأساس الذي تُبنى عليه أي خطط استجابة أو برامج إغاثة مستهدفة.

كما اعتبر المحامي أن غياب هذه البيانات يترك آلاف الأطفال من ذوي التوحد خارج أي مسار مؤسسي للتعامل مع احتياجاتهم، ويجعلهم عرضة للتهميش المزدوج: أولًا بسبب الحرب، وثانيًا بسبب الفجوة المؤسسية في التخطيط والتمويل والمتابعة.

ويرى الفراني أن هذا الوضع يعكس تأخرًا خطيرًا في التزام الجهات الرسمية بإنشاء نظام معلوماتي شفاف وقابل للتحديث المستمر، يمكن أن يشكل حجر الأساس لأي تدخل حكومي أو دولي مستقبلي لضمان الحماية والرعاية لهذه الفئة شديدة الهشاشة.

أما على المستوى الدولي، فالتجاهل أكثر إيلامًا. "لا توجد أي برامج إغاثة مخصصة لأطفال التوحد"، تقول مها عزام، أخصائية تخاطب، مضيفة "كل المساعدات تركز على الغذاء والدواء، لكن لا أحد يتحدث عن العلاج النفسي والتأهيل".

 يتقاطع قول الأخصائية عزام مع سابقتها محيسن في التأكيد على أن توقف الجلسات لفترات طويلة يعيد الطفل إلى مراحل متأخرة من التأهيل قد لا يمكن تعويضها، لأن التوحد يتطلب خططًا فردية وتدخلًا مستمرًا قائمًا على متابعة وتقييم دوري.

وتشير عزام إلى أن الجلسات عن بُعد ليست حلًا عمليًا إلا في إطار استشارات مؤقتة، خاصة مع ضعف الإنترنت وانعدام الاستقرار الأمني في غزة، ما يجعل البدائل الافتراضية عديمة الجدوى تقريبًا.  

في خيمة أخرى، تجلس سمر (30 عامًا) مع ابنتها ياسمين (6 أعوام)، التي كانت تتلقى جلسات دمج حسّي قبل الحرب. الآن، ياسمين لا تتوقف عن الصراخ كلما سمعت صوت طائرة. "كل يوم أخترع طريقة جديدة لأهدئها"، تقول سمر. "أحيانًا أغني لها، أحيانًا أضطر إلى لفها ببطانية كي لا تؤذي نفسها".

هذه هي الحرب على أطفال التوحد في غزة: معركة يومية ضد الانهيار، ضد النسيان، ضد عالم لا يراهم. "نحن لا نطلب المستحيل"، تقول أم زين، بينما تحتضنه في صمت. "نريد فقط أن يعيش أطفالنا بسلام. أن يحصلوا على ما يستحقونه".

الخسارة اليوم في غزة، لا تُقاس بمدة توقف العلاج أو بعدد المراكز المدمرة، بل بسنوات من الجهد ضاعت، وبطفولة سُلبت ملامحها فجأة، وبأمّ تتعلّم كل ليلة “اختراع” طريقة جديدة لتهدئة ابنها بلا أدوات ولا مختصين. ومع استمرار الصمت الرسمي وضعف الاستجابة الدولية، يبقى السؤال مفتوحًا: كم من الطفولة يجب أن تُزهق قبل أن يتحرك العالم لإنقاذ من لا صوت لهم؟