بقلم: فاطمة الدلو
تحت ظلال خيمة تعليمية بمدينة غزة، تجلس الطفلة صبا محمد (11 عاماً) تتلقى تعليمها تحت حرارة الشمس التي تجاوزت 40 درجة مئوية، وتسمع بين الفينة والأخرى أصوات قصف بعيدة نسبياً ومع ذلك تلتزم بالحضور حتى انتهاء الدوام اليومي.
قبل ساعات، كانت صبا تجمع الحطب من بين الأنقاض لمساعدة عائلتها في الطهي. صبا واحدة من آلاف الفتيات دون سن الخامسة عشرة في غزة اللواتي يواجهن تحديات غير مسبوقة جراء الحرب الدائرة منذ أشهر، لكنهن يصرن على مواصلة التعليم رغم كل الصعاب.
وفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، فإن 90% من الأطفال في غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي، بينما 80% من المدارس تضررت أو دمرت كلياً جراء القصف، مما أثر على تعليم أكثر من 625,000 طالب وطالبة. ومع ذلك، فإن قصصاً مثل قصة صبا وهنادي وهدى تظهر كيف يصمد الأطفال في وجه الكارثة، حاملين معهم أحلاماً بغد أفضل.
بين طابور الماء ومقاعد الدراسة
قبل الحرب، كانت صبا محمد، الطالبة في الصف الخامس، تستيقظ باكراً لتذهب إلى مدرستها في حي الشجاعية شرق غزة. اليوم، تغير كل شيء. بدلاً من حقيبتها المدرسية، تحمل صبا جالونات بلاستيكية لتعبئة المياه من نقاط التوزيع القليلة التي ما زالت تعمل.
"أحياناً نقف لساعات في الطابور، ثم أعود لأجمع الحطب قبل الذهاب إلى المدرسة المؤقتة في الخيمة"، تقول صبا بلهجة تحمل براءة الطفولة وقوة الكبار.
تشير بيانات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) إلى أن 75% من سكان غزة يعتمدون على مياه غير صالحة للشرب، بينما 95% من الأسر تعاني من نقص حاد في الوقود، مما يدفع العائلات إلى الاعتماد على الحطب والفحم للطهي والتدفئة.
رغم ذلك، تصر صبا على الذهاب إلى المدرسة. "أريد أن أصبح معلمة عندما أكبر، لأعلم الأطفال مثلما تفعل معلمتي"، تقول الطفلة التي فقدت منزلها في القصف لكنها لم تفقد الأمل.
جراح نفسية تحتاج إلى علاج
ليست صبا وحدها من تعاني. في نفس المدرسة المؤقتة، تجلس هدى عبد الله (10 أعوام) صامتة، بعيون تائهة تخفي وراءها ذكريات مؤلمة. هدى، التي فقدت منزلها وتعيش الآن في خيمة مع أمها وأخوتها، تعاني من صدمة نفسية عميقة.
تقول معلمتها هديل أبو قادوس: "بعض الطالبات يأتين إلى المدرسة لكنهن لا يتكلمن. نرى الخوف في عيونهن. البعض يخاف من أي صوت عالٍ، وكأنه يذكرهن بصوت القذائف".
بحسب منظمة الصحة العالمية، فإن واحداً من كل خمسة أطفال في غزة يعاني من اضطرابات نفسية حادة، بما في ذلك القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD). ومع ذلك، فإن أقل من 10% منهم يحصلون على الدعم النفسي اللازم بسبب نقص المراكز المتخصصة والمختصين.
"المدرسة هي الملاذ الوحيد لهؤلاء الأطفال"، يقول محمد مهنا، أخصائي علم النفس، مضيفا "لكننا بحاجة إلى برامج مكثفة للعلاج النفسي، خاصة العلاج باللعب والفن، لمساعدتهم على استعادة بعض الطمأنينة".
التعليم كخط دفاع أخير
في ذات الخيمة المدرسية، تحاول هنادي سامي (12 عاماً) التركيز على دروسها رغم الضجيج حولها. فقدت هنادي زميلة في الحرب، ومنزلها دمر بالكامل. لكنها ما زالت تأتي إلى المدرسة كل يوم.
"أحلم أن أصبح طبيبة لأعالج الجرحى"، تقول هنادي. "لا أريد أن يموت أحد كما ماتت زميلتي".
تشير منظمة اليونيسكو إلى أن 50% من الطلاب في غزة يعانون من صعوبات في التعلم بسبب الصدمات النفسية، بينما 40% من المعلمين أنفسهم يعانون من أعراض الاكتئاب والقلق، مما يؤثر على جودة التعليم.
رغم ذلك، تقول المعلمة حنين عياد: "هؤلاء الأطفال هم الأكثر إصراراً. يأتون إلى المدرسة وهم جوعى، بملابس متهالكة أحياناً، لكنهم يصرون على التعلم. هم يدركون أن التعليم هو السلاح الوحيد الذي يملكونه لمستقبل أفضل".
في الوقت الذي تستمر فيه الحرب، تبقى قصص مثل قصة صبا وهنادي وهدى شمعة مضيئة في ظلام النزاع. هؤلاء الطفلات لا يحملن الحطب والماء فحسب، بل يحملن أيضاً أحلاماً كبيرة قد تبدو مستحيلة في ظل الظروف الحالية.
لكن الخبراء يحذرون من أن استمرار الوضع الراهن قد يؤدي إلى ضياع جيل كامل من الأطفال. تقول منظمة إنقاذ الطفل إن 68% من الأسر في غزة اضطرت إلى سحب أطفالها من المدارس بسبب الفقر أو النزوح أو الخوف من العنف.
"هؤلاء الأطفال بحاجة إلى أكثر من الدعم النفسي والتعليمي"، يختتم محمد مهنا حديثه. "هم بحاجة إلى وقف هذه الحرب، وإلى مستقبل يليق بكرامتهم وإنسانيتهم".
وفي غزة، بين الركام والخيام، ما زالت صبا وزملاؤها يفتحن كتبهن كل صباح، كأنهن يقلبن صفحة جديدة نحو الأمل.
الفتيات والتعليم في غزة