عدالة مفقودة: قضايا معلقة بين حطام المحاكم

عدالة مفقودة: قضايا معلقة بين حطام المحاكم

منذ عام ونصف، ما تزال أريج محمد (28 عامًا) تعيش في حالة انتظار مؤلمة، لا تعرف ما إذا كانت ستتمكن من الحصول على العدالة التي تستحقها. تنتظر عودة المحاكم الشرعية للعمل، بعد أن رفعت قضية النفقة ضدّ زوجها عام 2022، إلى جانب قضية حضانة أطفالها، وصولًا إلى الطلاق الذي طالما حلمت به للهرب مما أسمته "جحيم العنف الأسري".

أريج، أم لأربعة أطفال، عانت عنف أسري شديد جعلها غير قادرة على تحمل استمرار الحياة مع زوجها، فحاولت اختصار معاناتها من خلال الحلول الودّية وطلب الطلاق، لكن الزوج رفض؛ ما أجبرها على اللجوء للمحكمة. ورغم ذلك، أصبحت المحاكم طريقًا أطول بعد نشوب الحرب وتعطلّها، مما زاد معاناتها في سبيل الحصول على حياة آمنة لأطفالها.

تقول أريج بصوتٍ تشوبه بحة بكاءٍ متقطع: "كانت إجراءات المحكمة تسير ببطء، بدأت أولاً بقضية النفقة، ومن ثم قضية الحضانة، ومع استمرار الحرب، تقطعت سبل الوصول إلى حلّ، فبقيت مع طفلتي الصغيرة، بينما أخذ زوجي أبنائي الثلاثة الآخرين بالقوة، ونقلهم إلى جنوب القطاع بعيدًا عني".

وعلى الرغم من أنّ المحكمة حكمت لصالحها في قضية الحضانة، فإنّ غياب تطبيق القانون والشرطة حال دون تنفيذ القرار، وعندما انتهت الحرب وعاد أطفالها من غيابٍ استمر لشهور في الجنوب، بالكادّ سمح لهم والدهم بزيارتها لساعات معدودة.

تتساءل السيدة بتنهيدةٍ طويلة: "تحملت عذاب بُعد أبنائي عني في شهور الحرب والقتل والقصف، فهل من المنطق اليوم أن أرى أطفالي لساعات محدودة بينما من حقي القانوني والشرعي أن يكونوا في حضانتي طوال الوقت؟!".

ما زالت أريج تحتفظ بورقة المحكمة التي تثبت حقها في حضانة أطفالها، وهي بمثابة مفتاح لعودة أبنائها إلى حضنها، لكنها لا تستطيع فتح هذا الباب في ظلّ غياب العدالة.

وتلك حالة واحدة من عشرات القصص نساء تأثرت حياتهن بإغلاق المحاكم طوال فترة الحرب الممتدة منذ عام ونصف تقريبا. إذ خلق هذا التوقف التام للعمل القضائي حالة من الفراغ القانوني الذي زاد من معاناة الكثيرين، خاصة الذين كانت قضاياهم عالقة في أروقة المحاكم. 

وفقا لتقرير الجهاز المركزي للإحصاء، فإن عدد القضايا في المحاكم النظامية في قطاع غزة غير المفصول فيها قد وصل إلى 44 ألف قضية، وذلك حتى فبراير من العام 2023. 

وخلال الهدنة المؤقتة (19 يناير- 18 7مارس)، بدأت بعض المحاكم العودة جزئيًا للعمل؛ لكن ذلك لم يشمل أي من الإجراءات كالحكم قضائي؛ مما أبقى القضايا العالقة على حالها، وسط حالة من الترقب والقلق لدى أصحاب تلك القضايا.

في هذا السياق، أكّد مدير عام المحاكم الشرعية في قطاع غزة يوسف الشنطي، أنّ المجلس الأعلى للقضاء الشرعي قد شكَّل لجنة لدراسة القضايا المُعلّقة في المحاكم، مع التركيز على تحديد المدد القانونية لهذه الدعاوى، ولكن قال إنه يواجه الكثير من العقبات.

وأوضح الشنطي إلى أن العديد من المحاكم تعرضت للحرق، بما في ذلك الأرشيف الخاص بها، مثل محكمة الشجاعية ومحكمة شمال غزة وخانيونس، "حيث أصبحت بعض الملفات جزءًا من الرماد، والآن، يجري البحث عن هذه المستندات الضائعة، مع محاولة إعادة ما يمكن استعادته".

ويشير تقرير جهاز الإحصاء إلى أن مجموع القضايا المدورة من السنوات السابقة والواردة للمحاكم النظامية في غزة بلغ (111,424) قضية خلال عام 2020م، تم الفصل في (67,519) قضية منها.

وتظهر تلك الأرقام أن الجهاز القضائي في قطاع غزة كان يعاني من الأصل من أزمة إطالة أمد التقاضي، والذي أرجعته دراسة سابقة إلى مجموعة من العوامل من بينها نقص عدد القضاة مقارنة بحجم القضايا المنظورة أمام المحاكم. 

وإذا ما جرى مقارنة الوضع السابق مع الحالي الذي يشهد تدمير غالبية المحاكم وارتقاء موظفين في الجهاز القضائي، فهذا يعني أنه من الصعوبة بمكان البت في القضايا العالقة خلال فترة زمنية قريبة حتى وإن توقفت الحرب، مما قد يهدد السلم الأهلي.  

وتدفع فاء حسين (25 عامًا)، ثمنا باهظا نتيجة هذا الوضع البائس، إذ رفعت قضية شقاق ونزاع ضدّ خطيبها عام 2022، بعدما أرسل إليها رسالة نصيّة على الهاتف قبل موعد الزفاف بأيام، يخبرها فيها بتأجيل الفرح بشكلٍ مفاجئ دون أي تفسير. 

وبعد محاولات عديدة للتواصل مع خطيبها، تبين لها أنه كان قد خطط لهذا القرار مسبقًا ليُبقيها في حالة معلقة دون طلاق. ورغم محاولات الفتاة المستمرة للبحث عن حلٍّ ودّي، وجدت نفسها مُجبرة على رفع القضية للحصول على الطلاق. 

تقول وفاء وهي تُبدي استياء لوضع "المعلّقة" الذي فُرِض عليها: "الإجراءات القضائية كانت بطيئة للغاية، بين كل جلسة وأخرى، كان يمضي خمسون يومًا؛ مما أصابني بالاكتئاب وفاقم معاناتي، ثم جاءت الحرب وأجلّت كل شيء لأجلٍ غير مسمى". 

تعليقا على هذا الواقع، أكّد المحامي المختص في القضايا الشرعية فارس المصري أنَّ توقف عمل الجهات التنفيذية والقضاء بشكلٍ عام يُعمِّق معاناة المواطنين، "فغياب العدالة يخلق بيئة مشحونة بالقلق والتوتر، ويدفع الناس إلى اللجوء لحلول غير قانونية" حسبما قال. 

وأضاف المصري أنّ الكثير من القضايا المعلقة، مثل قضايا النفقة والشقاق والحضانة، تحتاج إلى تدخل سريع حتى لا تتفاقم المشاكل وتؤثر على حياة أصحابها، خصوصًا النساء اللواتي يكن ضحايا هذا الواقع المؤلم.

الكثير من الأفراد لا سيما النساء في قطاع غزة يعشن اليوم على هامش العدالة بسبب توقف المحاكم؛ مما يُلقي بأعباء نفسية كبيرة نتيجة تأجيل القضايا العالقة وتعطلّ العدالة.

تقول المختصة النفسية نفين عبد الهادي، إنّ غياب تطبيق القانون يزيد من شعور أصحاب القضايا العالقة بالعجز والإحباط؛ ما يدفعهن في بعض الأحيان إلى الشعور بالذنب أو فقدان الأمل في الحصول على العدالة.

وفيما يتعلق بالنساء تحديدًا اللواتي يواجهن قضايا قانونية معطلة، خاصة في قضايا حساسة مثل النفقة، الحضانة، والشقاق، فقالت إنهن يتعرضن لضغوط نفسية شديدة، كالتوتر والقلق الناتج عن عدم اليقين في القضايا التي ترتبط بمستقبلهن ومستقبل أطفالهن، مما قد يؤدي إلى اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والقلق المزمن. 

لذلك رأت أن هذا الواقع يستوجب توفير الدعم النفسي للنساء المتأثرات بهذه القضايا، مثل جلسات الاستشارة النفسية التي تتيح لهن التعبير عن مشاعرهن والتعامل مع الضغوط النفسية التي تواجهها. مبينةً أنّ "توفير المساعدة القانونية العاجلة سيكون له أثر كبير في تحسين حالتهن النفسية، حيث أن الحصول على حقوقهن القانونية يساعد في التخفيف من العبء النفسي الواقع عليهن". 

واعتبرت المختصة النفسية أنّ التغيرات الكبيرة التي قد تحدث في حياة الأفراد بسبب غياب القانون، تقود إلى التفكك الأسري وفقدان الرغبة في الحياة اليومية، مما يؤثر بشكل كبير على الاستقرار النفسي، غير أن ما يزيد الطين بلّة هو الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تلاحق أصحاب القضايا من النساء بوجه خاص، في ظلّ غياب أي نوع من الحلول القانونية. 

منذ عام 2021، ينتظر ياسر أبو غالي قرارًا قضائيًا يضمن استعادة حقه بعد أن رفع قضية ضد أحد البنوك لإلغاء الفوائد الإضافية على قرض حصل عليه سابقًا. عندما اتفق أبو غالي مع البنك على سداد القرض على مدار عشر سنوات، فوجئ بعد مرور أربع سنوات بأن مدة السداد قد تمت تمديدها إلى 14 عامًا مع إضافة فوائد جديدة، فحاول التواصل مع البنك لحل المشكلة لكن دون جدوى، مما اضطره إلى إيداع قضية لدى القضاء ضد البنك.

قدمت محكمة البداية قرارًا لصالحه يقضي بإرجاع سداد القرض إلى عشر سنوات وإلغاء الفوائد الإضافية، لكن البنك استأنف القرار أمام محكمة الاستئناف، ولا يزال النطق بالحكم متوقفًا. 

وأوضح الرجل أن بطء إجراءات التقاضي تسبب في تأخير اتخاذ قرار عادل، وقال: "كلفتني القضية مبالغ مالية تقدر بحوالي 2000 دولار، تشمل رسوم وأتعاب خبير حسابات قانوني لتحديد الفوائد والعمولات، بالإضافة إلى أتعاب المحامي الذي يتابع القضية"، وهو ما يفاقم مشكلته خاصّة في ظلّ تردي الأوضاع الاقتصادية على عموم سكان قطاع غزة جرّاء الحرب.

معاناة الأشخاص في غزة نتيجة إغلاق المحاكم ليست فقط قانونية، بل نفسية أيضاً، فتأجيل العدالة يفاقم الأوضاع ويجعل الخروج من الدوامة التي يعيشها المتضررون في غاية الصعوبة، مما يستدعي تدخلاً سريعًا من الجهات القانونية والنفسية لتخفيف المعاناة وإعادة بناء حياة جديدة لهم.

وحول مصير القضايا العالقة، قال المستشار القانوني أسامة جبر إن الغالبية العظمى من الملفات القضائية مؤرشفة، ويمكن استعادة المفقود منها في حال فُقِد جزء من الملفات.  

أما في حال تعذر ذلك، أشار جبر إلى أنّ وزارة العدل ستتخذ الترتيبات اللازمة لاستعادة هذه الملفات، وهو أمر يستوجب بذل الكثير من الجهد من أجل إتمام هذا العمل.

ورغم أن المحاكم الشرعية تقتصر حاليًا على إنجاز معاملات عقود الزواج والطلاق، فإن هناك العديد من القضايا التي تحتاج إلى تدخل سريع من أجل تفادي تفاقم المشكلات. فإلى حين عودة المحاكم للعمل، تبقى معاناة المواطن الفلسطيني، خاصة النساء، مستمرة.

 

موضوعات ذات صلّة:

شلل شبه تام في المحاكم الفلسطينية بسبب حرب غزة

حضانة الأطفال بعد الطلاق: رحلة الأمهات نحو العدالة

عن فسخ الخطوبة وحقوق الفتاة الشرعية والقانونية