بين أزقة حي الشجاعية شرق من مدينة غزة، كان يربي الفنان الشاب ضرغام قريقع (28 عاماً) الأمل، رغم أكوام الركام المحيطة به، وبين تلك الأزقة قتل أيضاً قبل أن يحقق الكثير من جملة أحلامه التي تبعثرت بين الأنقاض.
كان ضرغام حلمًا لا يعرف حدودًا، يحمل بين يديه ريشة وألوانًا، يقول رفاقه إنه كان بابتسامته الهادئة وعينيه المليئتين بالحياة، فنانًا ورسامًا مبدعًا، ترك بصمته على جدران المدينة وعلى وجنات الأطفال أيضاً. لكن القدر كان يخبئ له ولزوجته الفتية نهاية مأساوية، بعد أن عاشا معًا في عش الزوجية لمدة اثنين وثلاثين يومًا فقط.
في ليلة الثامن عشر من مارس، بينما كانت غزة تغرق في ظلام دامس، سمع دوي انفجار مدوٍّ. قذيفة مباغتة اخترقت سماء الليل، لتسقط على المسكن الذي كان يقطنه ضرغام وزوجته وأفراد من عائلته. في لحظة، تحول الحلم إلى ركام، وتحولت الحياة إلى ذكرى. ارتقى ضرغام وزوجته، تاركين خلفهما حزنًا عميقًا في قلوب محبيه، الذين لم يستطيعوا تصديق أن ريشة الإبداع التي كانت ترسم الأمل قد توقفت عن الحركة.
الليلة ذاتها شهدت مقتل أكثر من 300 شخص في غزة، بعد أن قرر الاحتلال الإسرائيلي استئناف الحرب على القطاع، مُنهيًا بذلك هدنة مؤقتة دامت 57 يومًا. لكن نبأ ارتقاء ضرغام كان له وقع خاص، كأنه صاعقة اخترقت قلوب محبيه في العالم الفني والثقافي. كان ضرغام أكثر من مجرد فنان؛ كان رمزًا للأمل والإصرار في ظل الظروف القاسية.
وكتبه زميله الفنان محمد الحاج، عن التجربة الفنية لضرغام، أو كما يُحب أن يُلَقَّب أحيانًا بـ"حفيد فان غوخ"، بأنه كان يمتلك أساسًا قويًا ومتينًا في الفن، مما يؤهله لبلوغ مراتب أعلى وترك بصمة مميزة في الوسط الفني.
وقال الفنان الحاج: "دراساته التشريحية الجريئة، وقيمه اللونية التي تجمع بين الجمالية والتعبيرية، بالإضافة إلى تخطيطاته الإسكتشية التي تتراوح بين القوة والمرونة، كلها عناصر تجعل من تجربته الفنية شيئًا يستحق التقدير والاهتمام".
وتابع الحاج في وصف صديقه رغم فارق العمر بينهما، الفن الذي قدمه ضرغام هو ذلك الفن الذي ما زال يبحث عن هويته بين التجريب والمحاكاة، محاولاً أن يجد لنفسه مكانًا في عالم مليء بالتفاصيل المعقدة.
وعن وصفه علاقاته مع الوسط المحيط، قال الحاج "إنه شاب هادئ الطبع، محبوب من قبل كل من يعرفه، يحمل في شخصيته تواضع أهله وبساطتهم. هذه ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي خلاصة خمس سنوات قضيتها أعمل في مدارس ذلك الحي، حيث تعمقت في فهم طباع أهله وتعرفت على روحهم الأصيلة. ضرغام ينتمي إلى تلك الفئة من الناس التي تبرز في الأوقات الصعبة، وتقدم كل ما لديها من دعم ومساندة عندما تدعو الحاجة.
وتابع قوله "لا أبالغ عندما أقول إن ضرغام يتمتع بمثابرة وجدية نادرتين، بعيدًا عن أي غرور أو تصنع. هذه الصفات هي التي دعتني لأن أكتب عنه، ولن أندم أبدًا على هذه الشهادة، لأنني تعرفت عليه عن قرب".
وقبل شهر من ارتقاءه، كتب ضرغام على صفحته الشخصية عن معاناته بعد عودته إلى غزة، بعد 15 شهرًا من النزوح القسري. حيث وجد منزله ومرسمه، اللذين كانا ملاذه للإبداع، مدمرين بالكامل. أعماله الفنية التي كان يعدها لمعرضه الأول، والذي أطلق عليه اسم "حتى ينبت للكرسي جناحان"، اختفت تحت الركام. كتب في منشوره: "كانت تلك الأعمال أكثر من مجرد لوحات؛ كانت جزءًا من روحي، من أحلامي التي طالما حلمت أن أشاركها مع المتلقي". وأضاف: "ما حدث ليس مجرد تدمير للأشياء، بل هو محاولة لطمس الذاكرة، الثقافة، والإنسانية. ولكن كما يقال: 'لا يُقتل الأمل إلا بموت الروح، والفن هو روحي التي لن تموت'".
في العاشر من فبراير الماضي، نعى ضرغام مرسمه وهو يستعرض صورًا للدمار المحيط. قال: "مرسمي الذي كان ملاذي للإبداع والحرية، يتحول إلى مجرد ركام تحت وطأة آلة الحرب. الجيش الإسرائيلي، الذي طالما أساء استخدام قوته، قام بتدمير جميع أعمالي الفنية. أعمال كانت تعبر عن تاريخ، عن وطن، عن آلام وأحلام شعب".
الفن بالنسبة لضرغام لم يكن مجرد رسم على لوحات؛ كان وسيلة للتعبير عن المعاناة، عن الحياة، وعن الأمل رغم كل شيء. كتب على فيسبوك: "الفن هو وسيلة للتعبير عن المعاناة، عن الحياة، وعن الأمل رغم كل شيء، لكن اليوم، قتلوا ليس فقط لوحاتي، بل جزءًا من روحي. ومع ذلك، أؤمن بأن الفن لا يُمكن تدميره. طالما هناك روح مبدعة، سيظل الفن حياً فينا".
ضرغام، الذي ينتمي إلى حي الشجاعية شرق مدينة غزة، كان فنانًا مثابرًا وطموحًا. رغم صغر سنه، تميز بأسلوبه الفني الخاص، الذي جعله محط إعجاب العديد من المنظمات التربوية والفنية. انضم مؤخرًا إلى مجموعة "أثر الفراشة" في مبادرة تطوعية لمساعدة الأطفال النازحين، حيث ساهم في إخراج معجم "نازح إلى النور". كما أطلق مشروع "سينما في مخيم" (Cinema in Camp)، الذي كان يهدف إلى إدخال البهجة إلى قلوب الأطفال من خلال عروض سينمائية داخل مخيمات النزوح. كان ضرغام سعيدًا وشغوفًا بما يفعله، وترك أثرًا إيجابيًا كبيرًا في نفوس الأطفال الذين شاركوا في مبادراته.
عندما رحل ضرغام، كتب أصدقاؤه ومعارفه عنه بكلمات مليئة بالحزن والفخر. قال أحد أصدقائه: "خسرنا اليوم ريشة إبداعية كانت تحلم بمستقبل مليء بالفن الخلاق". وأضاف آخر: "الآن نبت للكرسي جناحان، وأنت تحلق في سماء الله وجنة الرضوان". كما كتب صديقه الفنان غانم الدن: "كنت الجواب لكل سؤال، وستبقى. الفن وغزتنا اليافعة فقدتك، لكنك الآن حر أكثر وأكثر".
مؤسسات فنية وثقافية أعربت عن حزنها لاستشهاد الفنان الشاب. جامعة دار الكلمة، التي عمل معها ضرغام، نعته قائلة: "لقد كان مثالًا للفنان المثابر والنشيط، وعمل معنا في المركز بكل إخلاص وتفانٍ. كان جزءًا لا يتجزأ من عملنا مع الأطفال، ورسم العديد من الجداريات والمعارض التي تركت بصمة لا تُنسى". كما كتبت مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي: "رحلت يا ضرغام، لكن الأمل الذي زرعته فينا وفي جميع من عرفك لن يرحل. ستبقى حيًا في قلوبنا".
اليوم، رغم رحيله الجسدي، يبقى إرث ضرغام الفني والإنساني شاهدًا على إبداعه وتفانيه في خدمة مجتمعه. كان رمزًا للأمل في ظل الظروف الصعبة، ولم يفقد إيمانه بقوة الفن وقدرته على تغيير الواقع. ربما لن ينبت للكرسي جناحان، لكن روح ضرغام ستظل تحلق في سماء الإبداع، تاركة خلفها أثرًا لا يمحى.
الفنان ضرغام قريقع