حتى طبق "السلطة" اختفى عن المائدة الغزية!

حتى طبق "السلطة" اختفى عن المائدة الغزية!

لم تحمل الحرب الدائرة في قطاع غزة، الناس على النزوح فقط، بل وعلى الجوع أيضاً. حيث حال منع الاحتلال الاسرائيلي إدخال المساعدات إلى سكان شمال قطاع غزة، دون حصول مئات الألاف من المواطنين على وجبات طعام منتظمة سواء من الدقيق أو الخضروات.

أمام هذا التحدي، لم يجد السكان بديلاً عن نبتة الخبيزة (-) التي جرى طهيها في ظل شح الخضروات من الأسواق المحلية بشكل كامل. والعجز عن زراعة المحاصيل في ظل استهداف الآلاف من الدونمات الزراعية المقامة على الأطراف الشمالية والشرقية لقطاع غزة بقيمة خسائر تقدر بـ(400 مليون دولار). علماً أن غزة كانت تنتج قبل الحرب 400 ألف طن خضار.

هذه الظروف في مجملها غيبت طبق السلطة عن المائدة الغزية، وهو طبق أساسي بالنسبة للغزيين يعتمد تحضيره على مزج الخيار مع البندورة والبقدونس والقليل من الملح وسائل الطحينة، توضع في طبق يصطلح عليه الغزيون الزبدية (-).

مكونات هذا الطبق مهما بلغت قيمتا لم تكن تتجاوز قبل اندلاع الحرب في السابع من تشرين الأول الماضي، (دولار واحد)، ولذلك كان يعتبر طبق الفقراء، لأنه لا يحمل الناس على إنفاق الكثير من المال لأجل تحضيره، فضلاً عن أنه يحتوي على قيمة غذائية عالية.

المتعقب للحالة اليومية للأسواق المحلية المقامة تحت ظلال القصف، يجد أنها فارغة تماماً من أي أشكال الخضار. بدء ذلك مع دخول الحرب شهرها الثالث، حيث استنفذ المواطنون ما تبقى من محاصيل الخضار بشكل كامل بما في ذلك التالف منها، بعد تحمل خطر الوصول إلى الدفيئات التي كانت هي الأخرى محل استهداف سلاح الطيران الإسرائيلي.   

محمد عبد العزيز (*) شاب في العشرين من العمر، وهو من سكان بلدة بيت لاهيا شمال القطاع، ارتقى بينما كان يجمع القليل من الخضار من أرض زراعية مجاورة لمسكنه، كان يقتات منها هو وباق أفراد أسرته.

تقول والدة الشاب عبد العزيز، إن الأسرة لم تجد ما تأكله بعد نفاذ مخزونها من البقوليات والأطعمة، ولذلك اجتهد ابنها البكر في الولوج إلى الدفيئة الزراعية لأجل قطف ما تبقى من خضار، وبينما هو كذلك باغته صاروخ من طائرة مسيرة وارتقى على الفور".

بالنسبة لبعض الأسر في قطاع غزة، يعد طبق السلطة طبق أساسي على مائدة الغذاء، ليس لقيمته الغذائية بل لقيمته المادية المتدنية والتي لا تتطلب تحمل الكثير من التكاليف، خصوصا لدى الأسر محدودة الدخل، أو تلك التي تعتمد على المساعدات.

"في السابق كنت أشتري يومياً حبة خضار واحدة من كل نوع (تقصد مكونات السلطة) وأمزجهم في طبق واحد وأشبع جوع صغاري، وفي أحيان أخرى كنت أضيف إلى تلك المكونات القليل من الخبز، وتصبح وجبة "فتوش" تشبع جوع أسرة من أربعة أفراد". تقول أمل النجار (*)، سيدة متوسطة التعليم، تسكن بحي الشيخ رضوان وتعيل أسرة من أربعة أطفال.

تعمل أمل كربة منزل، وقد ارتقى زوجها، قبل ثلاثة أشهر بعد توغل الآليات العسكرية في منطقة سكنها، ومنذ ذلك الوقت تكد من أجل إطعام أطفالها الأيتام، وتقول "حتى طبق السلطة لم يعد بمقدورنا توفيره الآن، نحن نتحدث عن طبق تزيد كلفته عن 60 شيكلاً (ما يعادل 15 دولار) وهذا ما لا طاقة لنا به".

السيدة أمل هي أرملة موظف حكومي كان يتقاضى نصف راتب، ولعجزها عن سد احتياجات أسرتها، كانت في السابق تكتف بشراء الخضروات، أما اليوم فليس لديها أي مصدر للدخل لذا أضحت تعتمد على تصنيع وببيع الفطائر للمارة بأجر يومي يتراوح بين (20-40 شيكل)، ومع ذلك فهذه القيمة لا تؤمن لها شراء مكونات طبق السلطة.

ولا يعد مبالغة القول إن أمر تحضير طبق سلطة، لا يقل عن قيمة تحضير وليمة أو على الأقل يوازي قيمة وجبة طعام في مطعم فاره. (انظر الجدول أدناه)

وسبق وأن كشفت دراسة بحثية أجرتها كلية الصحة العامة بجامعة ولاية لويزيانا الأمريكية أن الأشخاص الذين يتناولون السلطات يوميًا هم أكثر عرضة للحصول على جرعتهم اليومية من العناصر الغذائية الأساسية.

وطبقا إلى منظمة “اليونيسيف” صدرت في فبراير الماضي، فأن حوالي 31% من الأطفال دون عمر السنتين في شمال غزة، يعانون من سوء التغذية الحاد، وقد تضاعفت هذه النسبة خلال شهر واحد فقط، حيث كانت في شهر كانون الثاني حوالي 16%. بينما ارتفعت النسبة بين الأطفال دون الخامسة من 13% إلى 25% خلال الفترة كانون الثاني حتى شباط في شمال قطاع غزة.

كما أظهرت الدراسة أن حوالي 5% من الأطفال دون السنتين يعانون من الهزال الحاد في شمال قطاع غزة، وهو يعد أخطر أشكال سوء التغذية حيث يضع الأطفال في أعلى مخاطر العواقب الطبية والوفاة ما لم يتلقوا تغذية علاجية عاجلة.

وقال مدير مستشفى كمال عدوان الدكتور حسام أبو صفية إن عددا من الأطفال في شمال قطاع غزة ماتوا خلال الأيام الماضية بسبب سوء التغذية ونقص الطعام وانتشار الأمراض والأوبئة الناتجة عن العدوان والحصار الإسرائيلي المتواصلين.

وأوضح أبو صفية أن أغلب الحالات كانت تصل إلى المستشفى وهي تعاني أعراض الجفاف الحاد بسبب سوء التغذية، إضافة إلى انتشار العدوى على مستوى الجهاز الهضمي والنزلات المعوية.

وتسبب هذا الدمار في عودة قطاع الزراعة في غزة سنوات إلى الوراء وما لحق ذلك من أزمة غذائية طاحنة. وبحسب منظمة "الفاو"، فإن تدمير القطاعين النباتي والحيواني كان من أسباب حالة انعدام الأمن الغذائي التي يعاني منها القطاع حاليًا.

وتقول المنظمة الأممية إن نحو 60 - 70% من الماشية المنتجة للحوم والألبان في غزة قد تعرضت إما للقتل أو للذبح قبل الأوان لتلبية الاحتياجات الغذائية الماسة.

 

(-) الخبيزة هي نبتة برية تظهر في فصل الشتاء في المناطق الفارغة دون الحاجة إلى زراعتها أو ريها، حيث يعتمد نموها على مياه الأمطار.

(-) الزبدية: طبق مصنوع من الطين (الفخار) وتشتهر غزة بصناعته كموروث ثقافي قديم، مثل القارورة الفخارية والزير وغيرها من أواني.

(*) أسماء مستعارة.