شبكات نصب يقودها محامون تستغل عمال غزة

بحجة تحصيل أموالهم من إسرائيل...

شبكات نصب يقودها محامون تستغل عمال غزة

"في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2019 قدمت إله ثمن آخر معاملة، بعدها طنّشت. أنا أصلاً يا دوب لاقي مصروف أولادي، من وين بدي أضل أدفع فلوس للهوا؟".  تلك، كانت آخر معاملة يُقدِم على دفع ثمنها عامل البناء أبو مصطفى الحلو (51 عاماً)، لمحامي من غزة ادعى أنه قادر على تحصيل مستحقاته المالية عن سنوات عمله في "إسرائيل"، على حد قول الحلو .

"في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2019 قدمت إله ثمن آخر معاملة، بعدها طنّشت. أنا أصلاً يا دوب لاقي مصروف أولادي، من وين بدي أضل أدفع فلوس للهوا؟".  تلك، كانت آخر معاملة يُقدِم على دفع ثمنها عامل البناء أبو مصطفى الحلو (51 عاماً)، لمحامي من غزة ادعى أنه قادر على تحصيل مستحقاته المالية عن سنوات عمله في "إسرائيل"، على حد قول الحلو .

وكان الحلو قد عرف، في شهر آب/ أغسطس من العام الماضي، عن طريق صديقه، أن هناك محامياً من غزة قادر على تحصيل المستحقات المالية لعمال غزة الذين عملوا في إسرائيل قبل عام 2005.

لم يستغرق الحلو كثيراً في التفكير بعد سماع الخبر. بسرعة، كما قال، أوصل هويته ومعلوماتٍ عن عمله لدى شركة إسرائيلية في مجال البناء لصاحبه الذي كان وسيطاً بينهما ومُهتماً مثله بالموضوع، ودفع رسوماً تراوحت بين 20 و50 شيكلاً (بين 6 و15 دولاراً)، لفتح ملف القضية لدى المحامي.

يقول الحلو:" ما صدّقت وأسمع هالخبر أنا وصاحبي، قدمنا المعاملات... فكرنا يمكن تتغير حياتنا التعيسة إذا طلعن هالمصاري بعد هالفقر".

عمال غزة في المصيدة

قبل صيف عام 2005، كان نحو 150 ألف عامل من غزة، يعملون داخل إسرائيل، وعقب عملية الانسحاب أو "خطة فك الارتباط أحادي الجانب"، وهو الاسم الذي اختاره الاحتلال لخطة الانسحاب من غزة، منعت الحكومة الإسرائيلية عمال غزة من العمل داخل إسرائيل، وإثر ذلك، بقيت أتعابهم ومستحقاتهم المالية لدى شركات إسرائيلية وأصحاب العمل في إسرائيل.

عقب المنع، جرت تسوية الحقوق العمالية لكثير من عمال غزة عبر وزارة العمل التابعة للسلطة الفلسطينية. لكن تلك العملية، لم تطل كل العمال، فهناك من ظن أن المنع لن يطول وسيعود إلى العمل، وهناك من لم يكن لديه أي تغطية قانونية، فلم يجرِ صرف مستحقاتٍ أو أتعاب عن نهاية الخدمة، لأنهم كانوا يعملون تحت يد أصحاب عمل بلا ارتباطٍ رسمي.

وبعد نجاح حركة حماس في الانتخابات البرلمانية، عام 2006، وأحداث الانقسام مع السلطة، عطّلت الأخيرة عملها ومكاتبها الرسمية في غزة. وهو ما أثّر على متابعة العمال لهذا الموضوع، خصوصاً عقب تشديد الحصار الإسرائيلي على القطاع.

على مدار شهرين، ظل الحلو وصاحبه يأملان في أن يعود المحامي باتصالٍ مفرح، لكن في كل مرة كان رده بأن "الملف بات قيد المداولة والبحث بين الجهات المختصة، وإن حصل أي جديد، سأبلغكما بذلك".

وكان الحلو يعمل مقاولاً في شركة لدى صاحب عمل إسرائيلي مرتبط بشركة مقاولات إسرائيلية تدعى "راسكو"، وهو واحد من العمال الذين ظنوا أن المنع لن يطول، بحسب ما قاله، إذ تبقت له أتعاب نهاية الخدمة عن ستة أعوام.

والحلو يعقد كذلك، ككثير من العمال، آمالاً على هذه المستحقات، خصوصاً بعد أن انتهى بهم الحال إلى الفقر، لكن آمال العمال وحاجاتهم تحولت إلى مادة للاستغلال والنصب لدى محامين من غزة، زعموا أنهم قادرين على تحصيل هذه الحقوق.

بحسب وزارة العمل في غزة ونقابة المحامين، وقع آلاف من العمال المتواجدين في القططاع ضحية لعملية الاحتيال التي بدأت عام 2018، وتحولت إلى ظاهرة واسعة الانتشار في القطاع في العام الماضي، وظلت مستمرة حتى اليوم، لكن بضجةٍ بعيدة عن الأنظار.

تتم "مصيدة المحامين"، كما سماها أحد العمال، بآلية رسمية وشبه موثوقة بالنسبة إلى كثير من الناس. إذ يتفاهم المحامي والعامل على استقطاع نسبة معينة من المستحقات في حال استرجاعها تتراوح بين (25% و30%) على حسب الاتفاق، ثم يُطلب من العامل توقيع سلسلة من المعاملات ضمن ما يسميه "ملف القضية"، يكون سعر كل معاملة ورقية منها بمعدل 10 دولارات تقريباً. وهكذا يدفع كل عامل إجمالاً في هذه العملية للمحامي، قرابة 100 شيكل أي نحو 30 دولاراً.

وبالنسبة للمحامين تظهر المعاملات كوسيلة الخداع، والنتيجة المطلوبة من العملية. فبحكم رمزية الأسعار، اندفع آلاف من العمال إلى شِبَاكهم، أما الاتفاق على نسبة الاستقطاع من المستحقات، فهي مبررات لصبغ الاتفاق مع العامل بلونٍ رسمي.

"هناك آلاف من العمال وقعوا في وهم هذا الاحتيال"، يقول أمين سر مجلس نقابة المحامين في غزة زياد النجار الذي كشف لرصيف22 أن النقابة توصلت إلى شبكة على مستوى القطاع، مكونة من ثلاثة أشخاص. والثلاثة، وفق النجار، هم محاميان وآخر متدرب غير مزاول للمهنة، يديرون عمليات النصب على العمال، وبالتأكيد هناك غيرهم، لكن لا تعلم بهم النقابة.

جمع المتدرب وحده، بحسب حديث النجار، 15 ألف شيكل (نحو 5 آلاف دولار) خلال أقل من عام، وذلك عبر الاحتيال على العمال، لكن "جرى اتخاذ إجراء قانوني بفصله من النقابة ووقفه عن التدريب واستكمال متطلبات المهنة".

بموازاة ذلك، خضع محاميان لجلسة تأديبٍ قانونية. وبينما أجّلت أزمة كورونا في القطاع البت في قضيتهم، وقّعوا على تعهداتٍ تنذر بالفصل من النقابة والإيقاف عن المهنة، وإحالة ملف المتهم إلى الشرطة، في حال العودة للعمل بهذا المجال، وفق ما كشف النجار.

لم يكشف النجار المبالغ التي حصّلها المحاميان من وراء هذه العملية. بيد أن مصادر قدّرت، في حديثها لرصيف22، أنهما حصلا على مبالغٍ كبيرة عبر خداع العمال، وأن هناك غيرهم يعملون بعيداً عن أعين الجهات الرسمية، بشكلٍ منفرد ومستمر بهذه الآلية.

المتدرب غسان الخالدي الذي تحدث عنه النجار، قال لرصيف22 إن عمله كان قانونياً، وخلال حديثنا معه، طلبنا أن يطلعنا على تقاريرٍ رسمية تفيد بنجاح معاملات العمال في تحصيل حقوقهم، لكنه لم يتمكن من عرض ذلك.

عمليات النصب مستمرة

فشلت الجهات المعنية في الحد أو القضاء تماماً على الظاهرة. وبحسب ما قاله النجار لرصيف22: "اهتدت النقابة في الأساس إلى ملامح القضية، عبر شكاوى شفهية من بعض المواطنين، وتتبعت، إثر ذلك، خيوط الحكاية".

ولم يُقدّم العمال الذين أدركوا أنهم تعرضوا لعملية الاحتيال بشكاوى لنقابة المحامين أو أي من الجهات الرسمية، وذلك لأن تقديم شكوى في النقابة مثلاً تكلف رسوماً كبيرة تصل إلى 500 شيكل (نحو 150 دولاراً)، ما يعني أضعاف ما دفعوه للمحامي.

بموازاة ذلك، لا يزال هناك الكثير من العمال الذين لم يدركوا بعد تفاصيل المصيدة، واعتبروا أن المعاملات التي دفعوا رسومها، إجراءاً روتينياً على طريق حلحلة هذه القضية.

"حتى أكون صادقاً... عرفنا بشكل متأخر"، يقول النجار. بعدها وبالتحديد، في 12 آذار/مارس الماضي، أصدرت نقابة المحامين في غزة، تعميماً حول انتشار الظاهرة بشكلٍ واسع في غزة، وحذرت المواطنين من التجاوب في هذا الموضوع، متوعدة باتخاذ المقتضى القانوني بحق كل محامي يُغرّر العمال.

بيان النقابة، صدر بعد أشهرٍ من تحذير لـجبهة العمل النقابي بهذا الصدد، وهي "جبهة عمالية تتبع لتنظيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين". وكانت الجبهة قد نشرت تحذيرها، في الخامس من أغسطس/آب عام 2019، فيما لم تبنِ عليه النقابة إجراءاتها في القضية بشكلٍ رسمي، ما يطرح تساؤلاً حول أسباب تأخر موقف نقابة المحامين ومتابعتها للقضية.

إلى جانب ذلك، لم تتابع وزارة العمل في غزة القضية، سوى خلال عام 2019.

في الوقت الذي أكد فيه النجار أن هناك شكاوى شفهية تصله حتى اليوم حول استمرار عمليات النصب وطلب محامين مبالغ أعلى من تلك التي كانت في السابق، قال مدير وحدة العلاقات والإعلام في وزارة العمل سعيد العماوي إن "الوزارة اتخذت من البداية، منذ العام الماضي، إجراءاً صارماً بحق المحامين المنخرطين في هذا الموضوع، وأحالت ملفهم إلى النيابة العامة التي حجزت بعضهم، وأجبرتهم على التوقيع على تعهداتٍ بعدم العمل بهذه الصيغة".

وقال العماوي: "الموضوع يمثل استغلالاً لحاجة العمال. يمكن للمحامين الاستعلام في إطار المسألة الطبيعي، بخصوص العمال الذين كانوا يعملون بشكلٍ حرّ لدى أشخاص بلا ارتباط رسمي لدى شركةٍ إسرائيلية أو غيره. لكن إجمالاً، كنا واضحين، ممنوع أن يكون ذلك عبر تحصيل مبالغٍ مالية من العمال، لأن حل هذه المسألة يكون عبر الجهات الرسمية، لا المحامين. من ثبت أنه تلقى مبالغاً، مقابل هذه القضية، تعاملنا معه بشكلٍ صارم".

بموازاة ذلك، يشير العماوي إلى أنه "لم يجر تسجيل نجاح أية معاملة، إذ من المستحيل تحقيق ذلك أصلاً، لأن هذا الملف مرتبط بترتيبات رسمية مع حكومة الاحتلال، لم تتبلور بعد".

وتطلب إسرائيل من السلطة تأسيس صندوق للضمان الاجتماعي، لتحويل مستحقات العمال عليه، بموجب المادة السابعة (البند 4) من بروتوكول باريس الصادر عام 1994 والحاكم للعلاقة الاقتصادية بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، تنظِّم استقطاعات الضمان الاجتماعي من أُجور الفلسطينيين العاملين في إسرائيل. وتنص المادة على تحويل تلك الاستقطاعات إلى السلطة الفلسطينية حال إنشاء صندوق للضمان الاجتماعي.

حاولت السلطة الفلسطينية تأسيس نظام ضمان اجتماعي، إلا أنها قوبلت بمعارضة من جهات فلسطينية مختلفة، وكان آخرُها احتجاجَ المجتمع المدني والقطاع الخاص والعمال على قانون الضمان الاجتماعي الذي وضعته السلطة الفلسطينية عام 2016، وحاولت العمل به مطلع العام الماضي.

عاودت السلطة تعليق تنفيذ القانون،  في حزيران/يونيو عام 2019، إثر الاحتجاجات. وكانت دوافع الرفض الفلسطيني كثيرة، يمكن إجمالها بأن قانون الضمان الذي أرادت السلطة عبره الوصول إلى مستحقات العمال في إسرائيل، يتيح لها أن تدير الصندوق لا أن تساهم فيه، وأن تستثمر أمواله في القطاع الخاص، بالإضافة إلى انعكاساته الاقتصادية على قطاعاتٍ مختلفة.

بحسب شهاداتٍ، يستمر كثيرٌ من المحامين في غزة في جر العمال إلى "مصيدة النصب"، دون متابعة حقيقية من الجهات الرسمية لهذا الملف.

بالإضافة إلى ذلك، لم تُلزم الجهات الرسمية المحامين الذين استدعتهم على خلفية عملهم في هذا الملف، على إرجاع ثمن المعاملات التي دفعها العمال لهم.

وبحسب مختصين في المحاماة، لا تندرج المعاملات التي يطلبها المحامون من العمال لهذه القضية تحت إطار الخدمات القانونية، وهي بذلك عملية نصبٍ متكاملة على آلاف من العمال بينهم من استدان ثمن المعاملات، ومن اقتطعه من مصروف عائلته. وهذا ما يفرض على الجهات المختصة إعادة الأموال التي جرى تحصيلها بهذه الطريقة إلى أصحابها، ومحاسبة المتورطين في القضية، بشكلٍ أكثر صرامة.

رصيف 22 - عمر موسى