المشاركة السياسية للمرأة الفلسطينية: هل من مكتسبات؟ 

خلال عام 2022

المشاركة السياسية للمرأة الفلسطينية: هل من مكتسبات؟ 

استطاعت إسراء حسن (اسم مستعار) أن تتولى مناصب قيادية في مجال العمل السياسي، ايمانًا منها بأهمية إيصال صوت المرأة الفلسطينية بمراكز صنع القرار، رغم أنّها خرجت من بيتٍ يرى أنَّ صوت المرأة عورة.

تدرس إسراء (21 عامًا) القانون باللغة الإنجليزية في إحدى جامعاتِ قطاع غزة، كما تعمل في الوقت نفسه في مجال "كتابة المحتوى"؛ بغرض الإنفاق على دراستها الجامعية.

تقول الفتاة في حديثٍ لـ "آخر قصة"، "أعمل وأسدد رسومي الدراسية لأن عائلتي محدودة الدخل لا تؤمن بأهمية التعليم بالنسبة للفتاة وفقًا لموروثاتها الثقافية التي تحصر حضور المرأة في المطبخ فقط".

ورغم أنّ إسراء تنحدر من عائلة محافظة وتخضع لقيود عرفية، لكنّها وجدت في العمل السياسي ما يُلبي طموحها لتحقيق ذاتها بالوصول لمراكز مُتقدمة سياسيًا؛ تؤهلها إلى خلق تغيير حقيقي في الواقع الفلسطيني، وتمهد إلى طريق آمن لمستقبل النساء في بلادها.

يأتي ذلك كله أيضًا في غمرة إدراكها التام للصعوبات التي تواجه النساء في خوض غمار هذا العمل، خاصّة في ظلّ شبه انعدام لوجود المرأة في المناصب السياسية بفلسطين، إذ تُشير الإحصاءات إلى وجود فجوة كبيرة في التمثيل السياسي بين نسب الرجل والمرأة في فلسطين. 

ويُقدِّر التقرير المعنون بـ "المرأة في مواقع صنع القرار" الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ومركز شؤون المرأة، عام 2020، أنّ نسبة تمثيل النساء في المجلس المركزي بلغت 5% فقط في عام 2018. أما نسبة تواجدهم كأعضاء في المجلس التشريعي والمجلس الوطني الفلسطيني بلغت 11% في كلٍ منهما على حدة. 

وأظهرت النتائج كذلك أنّه على صعيد النقابات، مثلت النساء ما نسبته 9% من رؤساء المنظمات النقابية المسجلة في وزارة العمل الفلسطينية لعام 2019 فقط.

 

وبالعودة إلى إسراء التي تمثل أنموذجًا لطموح المرأة الفلسطينية في خوض غمار العمل السياسي، فقد ظهر اهتمام الفتاة بهذا المجال مُبكرًا، وعنه قالت: "خلال دراستي في المرحلة الثانوية لاحظت ميولي السياسية التي عملت على تنميتها بالقراءة المعمقة حول أحداث الربيع العربي إلى جانب اقتنائي الكثير من الكتب حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي".

وقد عزز بروز هويتها السياسية أيضًا اختلاطها بشخصيات بارزة ميدانيًا من محيطها الخاص؛ الأمر الذي ساهم في إثرائها فكريًا وبلورة توجهها نحو السياسة الذي دعمته بمجال دراستها في القانون وهو ما ساعدها في التعرف على حقوقها وطرق نيلها وفهم الكثير من المواضيع المتعلقة بقوانين السياسات العامة ومجال القانون الدولي والإنساني.

وسرعان ما نشطت الفتاة خلال دراستها الجامعية في مؤسسات المجتمع المدني، حيث تشير إلى أنها انخرطت في إطار تنظيم ورش العمل واللقاءات عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ومشاركة المرأة السياسية، إضافة إلى مواضيع أخرى كالعنف المبني على النوع الاجتماعي.

لم تتوقف عند ذلك إذ كان أمامها فرصة ذهبية خلال الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي كان مفترض أن تتم عام 2021 لإثبات نفسها، وبالفعل اقتنصت الفرصة واستطاعت الانضمام لأحد الأحزاب السياسية بعدما وجدت في فلسفته ورؤيته ما يُشبع ميولها وخلال فترة وجيزة تمكنت من تولي مناصب قيادية فيه رغم صغر سنها.

مضت التطورات مع إسراء بوتيرةٍ سريعة وعُينت أيضًا في تلك الفترة سكرتيرة العمل الطلابي في جامعتها فيما كانت تلك الخطوة من المراحل المفصلية في حياتها، لكن الأمر لم يستمر طويلًا على هذا النحو، إذ أوضحت لـ"آخر قصة"، "واجهتني الكثير من التحديات أهمها عملي في بيئة جامعية ترفض تفعيل الأطر الطلابية عامةً فكان منصبي هذا شكليًا فقط".

وكان للمجتمع الذي يُحجم دور المرأة في نقل أفكارها ورؤيتها المستقبلية من مبدأ صورته النمطية عن عمل النساء في السياسة المتمثلة في ضعف قدرتهم على مزاولة المجال واتخاذ القرارات الحاسمة والعقلانية كنظرائهم من الرجال، دور كبير في قرار إسراء تجميد نشاطها الطلابي وانقطاعها عن العمل التنظيمي لعدم ثقتها بالأحزاب التي تهمل دور الشباب والمرأة تحديدًا، حسبما قالت.

على الرغم محاولات إسراء للدخول إلى عالم السياسة من بوابة الأذرع الطلابية التنظيمية، لكنها مُنيت بالفشل ولم تستمر في هذا الطريق طويلاً. تجربة تعكس في مضمونها الضعف الحاد في المشاركة السياسية للمرأة، حيث تُظهِر الإحصاءات ضعفًا حادًا في تقلّد المرأة الفلسطينية مناصب سياسية عُليا، بما يخالف ما نصَّ عليه القانون الفلسطيني الأساسي المعدل الذي تناول حق المرأة بالمساواة والمشاركة المنصفة. 

وأتى القانون بالنص على ذلك عبر عدد من المواد، (6)، و(10)، و(26) وجميعها أكدت على أن للفلسطينيين حق المشاركة في الحياة السياسة أفراداً وجماعات وضمنت عدم التمييز على قاعدة إن حقوق المرأة هي حقوق الإنسان في المحصلة.

ويرجع ضعف مشاركة المرأة في المجال السياسي بما يتنافى مع ما ضمنه لها القانون إلى جملة من الأسباب، وفق مديرة مركز الأبحاث والاستشارات القانونية للمرأة في قطاع غزة القانونية زينب الغنيمي، وفي مقدمة هذه الأسباب، ضعف الإرادة السياسية للسلطة والأحزاب السياسية التي لا تُصر على إشراك النساء، بالإضافة إلى تراخي الأحزاب السياسية باستقطاب جمهور من النساء قادر على عكس نفسه في الانتخابات الحزبية؛ ما يؤدي إلى انعدام تبوء المرأة مراكز حزبية متقدمة. 

تشمل مشاركة المرأة في المجال السياسي، كما قالت الغنيمي، وجود النساء في الانتخابات البرلمانية وانتخابات الاتحادات والنقابات بما يتضمن لجان المفاوضات ولجان المصالحة، وكذلك مشاركتها في مجالس أمناء الجامعات والمستويات الوظيفية العليا من درجة مدير عام فما وفق، لكن المرأة الفلسطينية تغيب عن ذلك كله بدرجة مرتفعة.

ولم تذهب مديرة طاقم شؤون المرأة بقطاع غزة نادية أبو نحلة، بعيداً عن سابقتها في إرجاع هذا الغياب القسري عن تولي المرأة للمناصب العليا داخل الأحزاب، إلى الانقسام الفلسطيني الذي وقع عام 2006، وعنه قالت إنّه خلق دوامة من الهموم شغلت المجتمع الفلسطيني على حساب المطالبة بحقوق النساء في العمل السياسي.

في المقابل، ذكرت نهى البحيصي عضو الهيئة القيادية العليا لحركة فتح في الأقاليم الجنوبية، سببًا آخر لضعف تمثيل المرأة سياسيًا، وهو النظرة الذكورية في المجتمع الفلسطيني التي تؤدي إلى تأخر وصول النساء لمراكز صنع القرار.

وأوصت البحيصي في سياق حديثها لـ"آخر قصة" النساء بضرورة الإيمان بأنَّ التغيير الحقيقي في معركة نضالهن يحدث إذا رغبن هن بإعلاء شأنهن وآمنَّ بذواتهن وقدراتهن على القيادة.