أوانٍ بلاستكية غير "مجازة" تلامس غذاء الغزيين

أوانٍ بلاستكية غير "مجازة" تلامس غذاء الغزيين

يواظب محمد سالم (اسم مستعار) صاحب أحد المطابخ في مدينة غزة، على استخدام الصواني البلاستكية في تقديم الطعام، بجانب صواني أخرى مغلفة بالألمنيوم.  

لا يعلم سالم إن كانت هذه الأطباق البلاستيكية سليمة على المستوى الصحي، وهي في نظره آمنة، رغم أنها قد تكون مصنوعة من مخلفات بلاستيكية، وفي هذه الحالة تصبح مضرة صحياً، وفقا ما يقوله أهل الاختصاص.

يشير سالم وهو في الثلاثينات من العمر، إلى أنه يقوم باستيراد هذه الأواني من أحد مصانع البلاستيك في قطاع غزة والتي يبلغ عددها 5 مصانع (إحصائيات وازرة الاقتصاد الوطني)، مبيناً أن مطبخه يخضع مرتين شهرياً لرقابتي وزارة الاقتصاد والصحة على حدٍّ سواء، للوقوف على جودة وسلامة العمل.   

خلال زيارة ميدانية قام بها فريق "آخر قصة"، لعينة عشوائية من المطابخ في قطاع غزة -لا يوجد رقم دقيق حول أعدادها- وجدت أن غالبيتها تستخدم الصواني البلاستيكية، رغم أنه يحظر استخدامها من قبل وزارة الاقتصاد وبخاصة في المطابخ الخاصة بالأرز، أو مطاعم الشاورما، وقالت الأخيرة إنها تلاحق من يستخدمها منذ العام ٢٠٠٩، على حدِّ قولها. 

هذا الاستخدام ليس مقتصرًا على المطابخ أو المطاعم؛ بل يكاد لا يخلو بيت في القطاع الذي يسكنه أكثر من اثني مليون نسمة، من الأواني أو الأوعية البلاستيكية المستخدمة في تقديم الطعام، أو تلك التي تحفظ فيها الخضار في الثلاجة على هيئة صناديق شبكية، منها ما هو مُصَنع من مواد بترولية جرى إعادة تدويرها دون أن يُدرِك المستهلكون مدى خطورة الأمر على صحتهم.

وينظر في غزة، إلى عملية إعادة تدوير البلاستيك الذي تقدر مخلفاته اليومية بنحو 16 طناً وفقاً لوزارة الاقتصاد الوطني، على أنها خطوة في سبيل تجاوز الحصار المفروض على القطاع لما يزيد على 15 عاماً. 

وفي الوقت الذي يقول فيه أحمد المناعمة مدير دائرة النفايات الصلبة في وزارة الاقتصاد بغزة، إن إعادة التدوير أصبح جانبًا مهمًا في الصناعة وللبيئة أيضا، لا سيما أن جزءًا كبيرًا من النفايات يدفن في المكبات وتخفيفها يوميًا سيسهم في تحسن مشكلة التخلص من النفايات. تبرز جملة من المخاطر التي من الممكن أن يحدثها إعادة الاستخدام في إنتاج مواد غير مطابقة للمواصفات الصحية. 

تخضع عملية إنتاج المواد البلاستكية المدورة والمعدة لملامسة الغذاء، إلى سلسلة من الإجراءات الحكومية، يأتي في مقدمتها الحصول على "إجازة" وفق ما تنص عليه التعليمات الفنية الإلزامية (49-2015)، للمواد والأدوات البلاستيكية المدورة المعدة لملامسة الغذاء والتي صدرت عن مؤسسة المواصفات والمقاييس الحكومية.

وورد في البند الثالث من التعليمات والمتعلقة بالمتطلبات السارية على المواد والأدوات البلاستيكية المدورة، على أنه يُمنع طرح مواد وأدوات بلاستيكية مدورة في السوق احتوت على بلاستيك مدور إلا من خلال عملية تدوير مجازة وفقاً لهذه التعليمات. كما يجب إدارة عملية التدوير المجازة عن طريق نظام ضمان جودة ملائم يضمن أن البلاستيك المدور يلبي المتطلبات الواردة في الإجازة. 

بيد أن مدير مؤسسة المواصفات والمقاييس في قطاع غزة، عماد الحوراني، نفى حصول أي من مصانع البلاستيك في قطاع غزة على "الإجازة" التي تخوله بإنتاج بلاستيك قابل لملامسة الطعام، من مواد مدورة.

وأوضح الحوراني أن مؤسسته لا تُشكِّل أي دور رقابي على عملية التصنيع، ويناط بها فقط إصدار التعليمات الفنية، قائلاً: "نحن كمؤسسة أصدرنا التعليمات الفنية الواجب اتباعها خلال عملية منح الإجازة، ولا يوجد حسب اعتقادي أحد حاصل على الإجازة في القطاع."

على ضوء ذلك، باشرت "آخر قصة" في القيام بجولة على مصانع البلاستيك المصنعة للمواد الملامسة للطعام للتعرف على مدى التزامها بسلامة المنتج من الناحية الصحية. غير أن عدد كبير منهم احتجب عن الحديث أو السماح لنا بدخول المصنع.

قادنا البحث إلى الأسواق، للاطلاع على الأواني والأوعية المستخدمة في ملامسة الغذاء، ووجدنا أن غالبيتها لا يحتوي على دلالة تشير إلى خطورة استخدامها كما هو موضح في الصورة.   

مدير دائرة الرقابة الصناعية بوزارة الاقتصاد الوطني في قطاع غزة، محمد كلاب، قال إن هناك قرار صادر عن وزارته مضى عليه أكثر من 13 عاماً يمنع المطاعم والمطابخ من التعامل مع الصواني المصنعة من بلاستيك معاد، ولم يعد لها أثرا في الأسواق المحلية بسبب الرقابة الشديدة. 

وأضاف كلاب الذي التقيناه في مكتبه بمدينة غزة، أن المصانع التي تعمل على إعادة تدوير البلاستيك في القطاع عددها خمسة مصانع وهي مراقبة، وجرى إلزامها بوضع إشارات تحذيرية تمنع استخدامها من قبل المواطنين في حفظ الأطعمة لخطورتها على صحتهم.   

غير أنِّ هذا القول في واقع الأمر، يتناقض مع ما وثقناه بكاميرا الفيديو خلال التحقيق، والذي يثبت قطعيًا مواصلة إنتاج هذه الأواني البلاستيكية من البلاستيك المعاد، وأن الكثير منها لم يحمل أي إشارة للدلالة على خطورتها، كما أن غالبيتها لا تعتمد بطاقة بيان، وفقا للشروط التي وضعتها مؤسسة المواصفات والمقاييس، وهي عبارة عن بطاقة تعريفية للسلعة تحتوي في بلد المنشأ والمستورد والمكونات المستخدمة وتاريخ الإنتاج.

في محاولة جديدة لدخول المصانع، رافقنا مجموعة من مفتشي وزارة الاقتصاد الوطني، وقد تمكنا من الولوج إلى واحد منها وهو مقام شمال القطاع، حيث ينتج أحواضا بلاستيكية من مواد معادة.

في هذا المصنع الذي رفض الإفصاح عن كمية إنتاجه اليومي، وجدنا أن الأوعية البلاستيكية المصنعة تحتوي على لاصق يكتب عليه "لا تستخدم للمواد الغذائية"، من دون وجود بطاقة بيان معتمدة، بينما اكتشفنا أن السلاسل الشبكية التي يتم تصنيعها هنا لا تحتوي على ملصقات. وهذا كان دافعاً لتقديم السؤال التالي: إذا لم تكن أيٌ من مصانع البلاستيك المصنعة لأدوات بلاستيكية من مواد معادة ملامسة للطعام مجازة ولا تضمن وجود بطاقة بيان أو لاصق توضيحي، فكيف تعمل تحت مظلة رقابة وزارة الاقتصاد الوطني؟

وتضمن المادة (31) من قانون المواصفات والمقاييس الفلسطينية رقم (6) لسنة 2000م، سلسلة من العقوبات تبدأ بالحبس وصولا إلى دفع غرامة لا تزيد عن 10 آلاف دينار أردني، أو كلتا العقوبتين معاً، إذا ارتكبت أي من الأفعال التالية: 

التلاعب بالمعلومات الواردة في بطاقة البيان بقصد الغش- تدوين عبارة "مطابق للمواصفات الفلسطينية" أو وضع علامة من علامات مطابقة المواصفات على بطاقة البيان دون الحصول على موافقة خطية من المؤسسة.

ولكن في المقابل، يشير الحوراني إلى أنه لم يتم تسجيل أي مخالفة بحق أي مصنع إلى الآن، دون أن يقدم أي مبررات. 

في حين قال مدير دائرة الرقابة الصناعية بوزارة الاقتصاد الوطني في قطاع غزة، إنهم رصدوا ووثقوا خلال العام الحالي، خمس مخالفات فقط، مؤكدا على أن الوزارة مواظبة على نشر رسائل توعوية للمواطنين للتنبيه بخطورة البلاستيك، "وهناك انضباط في عملية الصناعة بشكل كبير" حسبما قال.

ويحتمل استخدام هذه الأواني (رخيصة الثمن) من قبل محدودي الدخل في قطاع غزة، وهم يشكلون الغالبية من مجمل السكان، لاسيما أن أكثر من النصف يعيشون على المساعدات الإنسانية بفعل الحصار المفروض على القطاع، بالتالي هذا ما قد يرجح احتمال الابتعاد عن اقتناء الأدوات الصحية السليمة المستوردة، لارتفاع ثمنها.

وتباع رزمة العبوات البلاستيكية المستوردة (3 عبوات) في السوق المحلية، بقيمة 15 شيكلاً، فيما تباع المعاد تصنيعها بقيمة 8 شواكل. 

وقد يسهل على باعة الأدوات البلاستيكية في السوق المحلية، وبخاصة السلال المستخدمة للاحتفاظ بالخضار والفاكهة داخل الثلاجة، نزع الملصقات التي تمنع استخدامها في المواد الغذائية، في ظل عدم وجود دور رقابي فاعل.

يرد كلاب على هذا القول، بأن المواطن من يتحمل مسؤولية نفسه إذا ما أساء استخدام هذه الأدوات. وفي سؤاله عن كيفية التفريق بين المنتج السليم، والمعاد تصنيعه من مخلفات بلاستيكية، قال: "إن أي منتج شفاف فهو مصنع من مواد خام جديدة، وأي منتج بلاستيك غامق اللون فهو غالبا منتج معاد تدويره من مخلفات البلاستيك"، منوهاً إلى الموضوع بحاجة إلى برنامج وطني لتوعية الناس بمخاطر البلاستيك، على حدِّ تعبيره. 

حتى نقطع دابر الشك باليقين، حصلت معدة التحقيق  على عينة من المواد البلاستيكية الخام المستخدمة في تصنيع أواني تقديم الأطعمة، وأخضعتها للتحليل، فكانت النتائج "صادمة" حسب وصف المختصين. 

فيما يلي نتائج الفحص: 

تعقيبا على هذه النتائج، قال رئيس المعهد الوطني للبيئة والتنمية أحمد حلس، "إن الأرقام التي يظهرها التحليل صادمة وتدلل على وجود نسب عالية جداً من العناصر الثقيلة، كالرصاص الذي يُعد مادة مسرطنة وسببًا رئيسيًا في حالات التخلف العقلي لدى الأطفال، لاسيما أولئك الذين يتعرضون له بكميات كبيرة".

وأضاف: "نسبة الرصاص الموجودة في البلاستيك المستخدم يفوق مئة ضعف ما توصى به منظمات دولية، وهذا أمر كارثي"، مشيرا إلى أن هذه المنتجات بترو كيماوية تتكسر ولا تتحلل، بمعني أنها عندما تتعرض للأطعمة الساخنة، تتكسر وتصبح ذرات صغيرة تختلط بالطعام وتكون ضارة على صحة الإنسان.

وتابع حلس، وجود دراسات أجنبية تظهر أرقام المواد للعناصر الثقيلة التي تم فحصها بالعينة ومدى تطابقها، وهي مستوحاة من المقاييس الأمريكية والبريطانية لأواني الشرب والطعام، فهي جاءت مئة ضعف ما توصى به المنظمات الدولية.

ونوه بأن الأرقام بهذا الشكل المستخدم في إنتاج بلاستيك يستخدم في أواني الطبخ أو أوعية نقل وتخزين المياه وغيرها هي كارثية ومفزعة وخطيرة جدا.

في الوقت نفسه، ذكر أن البلاستيك أيضا يتأثر بالأطعمة المالحة وكذلك الأطعمة التي تحتوي على أحماض كالمخللات وحمض الليمون والفلفل، وهي بطبيعة الحال ستعمل على تحليل البلاستيك وتفتيته. 

على إثر ذلك، شدد حلس على ضرورة وجود إجراءات صارمة وقوانين تضبط عملية استخدام البلاستيك، وكبح جماح المخالفين.

وبالنسبة للقوانيين، فهي من الواضح أنّها تجرم هذا الفعل، قانون الصحة العامة رقم (20) لسنة 2004، في مادته رقم (20) في البند الثالث،2004، في مادته رقم (20) في البند الثالث،

قانون الصحة العامة رقم (20) لسنة 2004، والذي بين بشكل صريح في مادته رقم (20) في البند الثالث، أن المنتج الغذائي يصبح ضاراً بصحة الإنسان إذا كانت عبوته تحتوي على مواد ضارة. 

ويؤكد المحامي عبد الله شرشرة، على أن نظام القانون الفلسطيني مبني على مجموعة من القوانين بمجملها تحقق هدف عام وهو حماية الصحة العامة، ومن أهمها قانون الصحة العامة وقانون العقوبات وقانون حماية المستهلك.

وقد أناط قانون الصحة العامة بمهمة الحفاظ على سلامة الأغذية بوزارة الصحة، وفق قوله، حيث نصّ الفصل الرابع من هذا القانون على أن كل شخص يُصنِع مواد غذائية يجب عليه أن يزود الوزارة بكمية المواد الكيمائية التي تحتويها الأغذية، بالإضافة إلى طريقة تعبئتها ومحتوياتها وطريقة تداولها، مضيفا "إذا كان هناك بعض الأواني أو الصواني أو مواد التغليف البلاستيكية المصنعة من مواد مدورة، فيجب على وزارة الصحة أن تراقب آلية تداولها وأن تقوم بأخذ عينات منها وفحصها، لتقدير مدى تسببها بضرر على صحة الإنسان، وإذا ثبت ذلك فبحسب قانون الصحة العامة يحظر تداول هذا المنتج البلاستيكي نظرًا لأنه قد يسبب بعض الأمراض".

ووفقاً لما قاله شرشرة فإن هناك سلسلة من المعايير التي تضبط هذه العملية، أولها أن تكون آلية صناعة هذا المنتج متفقة مع المواصفات والمقاييس الفلسطينية، والثاني أن يكون هناك دليل قاطع بأن هذه الأغلفة والأواني البلاستيكية تسبب مخاطر صحية مباشرةً. وهناك تتقاطع المسؤولية بين وزارة الصحة والاقتصاد الوطني عبر دائرة حماية المستهلك، فيما أن قانون العقوبات ينص على تجريم قيام أي إنسان بارتكاب أي مسلكيات قد تعرض الصحة العامة للخطر.

أمام مجموعة القوانين هذه، كان لابد من التأكد من مدى ممارسة وزارة الصحة في قطاع غزة لدورها الرقابي على عملية تصنيع البلاستيك الملامس للطعام.

غير أن، زكي مدوخ رئيس قسم مراقبة الأغذية في وزارة الصحة، قال إن وزارته لا تمارس دوراً رقابيا على عمل المصانع، ومهمتها تقتصر على ممارسة دور رقابي على المنشآت الغذائية.

وأشار مدوخ إلى أن فريق التفتيش يعمل بشكل يومي في جولات صباحية ومسائية للرقابة على الأداء الخاص بعمل المطاعم والمطابخ، بما فيها "المطابخ التي تستخدم الأواني المستعملة"، كما قال.

وأضاف أن "القرار الصادر منذ عشر سنوات، والقاضي بمنع استخدام هذه الأواني المعاد تصنيعها؛ قد حقق نجاحا وبخاصة أن أكثر من 98% من المطابخ لم تعد تستخدم الأواني البلاستيكية المعاد تصنيعها".

وأوضح أنه لم يسجل أي مخالفة على استخدام أي من المطابخ للأواني البلاستيكية المدورة منذ 5 سنوات، كما أفاد بأن وزارته لم تتلق أي شكاوى بهذا الخصوص منذ وقت طويل.