يسرى أبو شرخ
الساعة الثالثة فجرًا في أيام نوفمبر لعام 2025
أول مرة منذ عامين أعيش شتاءً مع عائلتي في مكان مغلق، مُنفصل.. بلا حجاب، بل وعُدتُ لعادة ما قبل الحرب، ألا ألبس الملابس الثقيلة في أيام الشتاء، وفي لحظةٍ أنهض فيها – من الفرشة المُهترئة لا من السرير – أفتقد الرُّوب الشتوي جدًا!!
لطالما عشقتُ قضاء ليالي الشتاء الطويلة والجميع نيام، كان ذلك الرُّوب أهم الحوافز التي تشجعني على ترك دفء السرير..
ثم إن هبّة الشوق هذه ليست عابرة، هل تعلم ماذا يعني الرُّوب الشتوي للسيدة الفلسطينية؟ ذلك الذي تختاره بعناية في أيام الخطوبة – فأنا اخترتُه مُخمليّ اللون، راقيًا ذو طبقة رقيقة، بتطريز على أكمامه، ورقّته بألوان ساحرة..
الرُّوب تشتريه العروس مرة واحدة في حياتها، لا تُكررها إلا إذا زادت كثيرًا في الوزن، غالبًا لا تفعل أن تستبدله، وما إن كررته فإنها تحتفظ بالرُّوب الأول في حياتها إلى أن يكبُر أبناؤها، فتلبسه بناتها في صباهنّ، وتتباهى به أمام الصبايا، وخاصة زوجات أبنائها، تارةً برقيّ تصميمه، وتارةً بخامته التي لم ولن تتكرر، وأخرى بعودها النحيف حين كانت عروسًا..
كنتُ ألبسه وأقضي الليالي مستغلةً هدوء العالم، سارقةً الوقت لنفسي، لأشعر بقرب الله، أدرس، أو أقرأ، أو أتأمل العالم.. عادةٌ كبرتُ عليها، وألْحفني ذلك الرُّوب بدفئه على مدار أحد عشر عامًا، ثم اندثر!
هجمات الذكرى هذه ليست عابرة، ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، تأتي لتشعل هبّات من الحنين، لتُذكرنا بأننا صبرنا على فقدٍ لا يحتمله القلب، ورضينا بشيءٍ لا يقوى العقل البشري على استيعابه..
تأتي لتُبكيني في كل مرة أمام هول الفقد ومعاني الشوق، لأقاوم الدموع التي تسقط نيابةً عن زوجة فقدت حنان زوجها، وطفلٍ يرتعش شوقًا لحضن أمه، وأمٍّ يأكل الحزن قلبها وهي ترى وجه ابنها في كل شخص، وأبٍ تسري في عروقه حسرات العالم مُجتمعة..


