في مدينة غزة التي تتناثر بقايا منازلها كأشلاء حجارة، تجلس الأرملة أم يوسف سلمي أمام خيمتها المتآكلة، بعدما اضطرت لترك المنزل الذي كانت تستأجره بقيمة ألف وسبعمئة شيكل شهريًا. استنزفت مدخراتها سريعًا، ولم يعد لها دخل ثابت بعد استشهاد زوجها الذي كان يعمل موظفًا حكوميا.
تقول السيدة التي نصبت خيمتها في حي الرمال وسط المدينة: "كنت أظن أنّ مدخراتي ستكفيني، لكن اليوم لا مدخرات ولا راتب. كل يوم يمر اختبار جديد، ولا أعلم من أين أؤمّن مصاريف الغد".
ومع ارتفاع أسعار الإيجارات إلى مستوياتٍ غير مسبوقة، وجدت كثير من العائلات نفسها مضطرة للاختيار بين تسليم معظم دخلها لأصحاب العقارات أو البحث عن مأوى بديل تحت خيام مهترئة. وبين هذين الخيارين تعيش أسر فقَدَت مُعيلها أو مدخراتها.
الخيام تتكدّس في شوارع القطاع. فإلى جانب البيوت المدمرة، هناك مناطق كاملة أخليت قسراً من سكانها مثل شمال قطاع غزة بأكمله، وحي الشجاعية شرق مدينة غزة، ومدينة رفح جنوب القطاع. وتشير التقديرات الأممية إلى أن أكثر من1.9 مليون شخص نزحوا داخليًا، أي ما يعادل نحو 85% من سكان القطاع.
الأرقام الصادرة عن وزارة الأشغال العامة تكشف عمق المأساة، إذ تبين أنّ أكثر من 280 ألف وحدة سكنية تضررت كليًا أو جزئيًا منذ بدء الأحداث الجارية، بينها نحو 170 ألف وحدة دُمّرت بالكامل، وما يزيد عن 80 ألف منزل لم يعد صالحًا للعيش.
هذه الأرقام لا تختزل في جدران مهدمة، بل في عائلات وجدت نفسها معلّقة بين خيام لا تقي من برد أو حر، وبيوت مستأجرة بأسعار تضاعفت مرات عديدة. ومع ازدياد الحاجة إلى المأوى وغياب البدائل، تحولت أزمة الإيجارات إلى عبء إضافي ينهك الأسر ويضاعف معاناتها اليومية.
الخمسيني أبو أمير مسلم يجد نفسه أمام مأزق جديد. كان يسكن شقة مستأجرة مقابل 700 شيكل شهريًا على مدار سبع سنوات، لكن الحرب الإسرائيلية التي اندلعت منذ أكتوبر 2023 دفعته للنزوح مع عائلته إلى محافظات جنوب قطاع غزة.
وعندما عاد خلال فترة وقف إطلاق النار المؤقت في يناير الماضي، اكتشف أنّ مالك الشقة السكنية رفع قيمة الإيجار إلى أضعاف ما كان يدفعه، لتتحوّل عودته من محاولة لاستعادة الاستقرار إلى صراع متواصل مع تكاليف السكن التي لا يستطيع تحملها.
يقول وهو يتفحص ورقة الإيجار بيدٍ مرتجفة: "طلب مني مالك العقار أن أدفع ألفًا ومئتي شيكل عن كل شهر وبشكلٍ مقدم لستة أشهر، ثم خفّضها إلى ثلاثة أشهر فقط، وبعدها فجأة وصلتني رسالة منه أصابتني بالصدمة مفادها أنّ: الاتفاق أصبح لاغي، وإن لم أدفع ألفي شيكل شهرياً نقدًا فعليّ ترك المنزل".
مسلم، وهو أحد موظفي السلطة الوطنية الفلسطينية، فقد هذا الشهر نحو 40% من راتبه بعد تأخر صرف الرواتب، لم يعد قادراً على سد الفجوة. ويعاني مثلَه نحو 35 ألف موظف في قطاع غزة، هم ما تبقّى من أصل 58 ألفًا قبل سنوات، حيث طاولت الخصومات والانقطاعات رواتبهم بشكل متكرر، ما جعل آلاف الأسر تعيش في ظل عجز دائم عن تلبية احتياجاتها الأساسية.
أحمد إسماعيل، أب لخمسة أطفال، كان يعيش في مخزن مستأجر في حي النصر غرب مدينة غزة مقابل 500 شيكل شهريًا، ويعتمد على المخصصات التي يتلقاها من وزارة الشؤون الاجتماعية لسداد تكاليفه؛ لكن بعد توقف صرف هذه الشيكات منذ شهور، عجز عن دفع الإيجار، ليجد نفسه أمام تهديد مالك المنزل الذي طرده منه بالفعل، لينتهي به المطاف وأسرته إلى العيش في خيمة.
يقول وهو ينظر إلى أطفاله: "كانت تلك الشيكات رغم عدم انتظامها تكفينا العوز، نعيش يومًا بيوم بفضلها. الآن لا أستطيع تأمين الأساسيات".
يضيف بعد تنهيدة طويلة: "الغذاء موجود في الأسواق، لكن الأسعار مرتفعة، وأنا بلا دخل ثابت. أشعر أنني عاجز حتى عن توفير الخبز لأبنائي".
هذه المساعدات النقدية، المعروفة بـ شيكات الشؤون الاجتماعية، كانت تُصرف كل ثلاثة أشهر للأسر الأشد فقرًا بقيم تتراوح ما بين 700 – 1800 شيكل، غير أنّ صرفها توقف منذ اندلاع النزاع نتيجة تأخر التمويل من الاتحاد الأوروبي وعجز وزارة المالية الفلسطينية عن توفير دفعات منتظمة. وبغيابها، فقدت آلاف الأسر في غزة مصدر الدعم الوحيد الذي كان يسد فجوات المعيشة أو يساعد على دفع الإيجار، لتتعمّق أزمة السكن والمعيشة معًا.
في دير البلح وسط قطاع غزة، تجلس نرمين أحمد، شابة عاملة في مؤسسة دولية. تتقاضى راتبًا يبلغ 2200 دولار، لكنها تسكن مع عائلتها في شقة صغيرة تدفع مقابلها 900 دولار شهريًا. تقول: "يأتي منتصف الشهر ولا يبقى لي سوى الفتات من النقود، كأن المال يتبخر مع الغلاء الفاحش".
مشكلتها لا تتوقف عند الإيجار وحده؛ بل تتضاعف بسبب أزمة السحب النقدي من البنوك، حيث تُفرض عمولات تصل إلى ما بين 35 – 50% عند تحويل الراتب إلى نقد. وهو ما يعني أنها تخسر ما يقارب ثلث راتبها شهريًا، في وقت تتزايد فيه الأسعار إلى مستويات قياسية. وقد نتجت هذه الأزمة النقدية بسبب شُح السيولة ومنع الاحتلال إدخال العملة بشكل كافٍ، ما دفع التجار والصرّافين إلى فرض عمولات مرتفعة على عمليات السحب.
هذه الأزمات لم تنعكس فقط على قدرة الموظفين أنفسهم، بل زادت من تعقيد مشهد الإيجارات الذي يرهق كاهل معظم الأسر من جميع الفئات بشكلٍ عام.
من منظور حقوقي، يؤكد مركز الميزان لحقوق الإنسان أن أزمة السكن والإيجارات تمثل انتهاكًا صارخًا للحق في السكن اللائق الذي تكفله المادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ويشير المركز إلى أن استغلال حاجة السكان برفع أسعار الإيجارات في ظل ظروف الحرب والأزمات يُصنَّف قانونيًا ضمن جرائم الاستغلال والاحتكار التي يجرّمها قانون العقوبات الفلسطيني، والذي يعاقب كل من يستغل حاجة الناس أو يفرض عليهم أسعارًا تعسفية في ظروف استثنائية.
كما أن غياب حلول جذرية كالمساكن الجاهزة أو الملاجئ المؤقتة يترك آلاف الأسر في مواجهة العراء بلا حماية أو ضمان لكرامة إنسانية أساسية.
أمام هذا الواقع، تفاقمت مأساة البيوت المستأجرة التي ارتفعت بنسب تراوحت ما بين 200 – 400% وفق تقديرات مكاتب عقارية محلية، ما جعل آلاف الأسر تدفع مبالغ باهظة لا تتناسب مع دخولها.
الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر يفسر القفزة في أسعار الإيجارات بانهيار التوازن بين العرض والطلب. فالإيجارات التي تجاوزت ألفي شيكل شهريًا تعادل خمسة إلى ستة أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب. ومع تجاوز معدّل البطالة في قطاع غزة 80% بحسب تقارير أممية، يعيش معظم السكان بلا دخل ثابت أو برواتب مجتزأة.
يقول أبو قمر إن المئة شيكل التي كانت تكفي لشراء أساسيات قبل الحرب لم تعد تغطي سوى جزء ضئيل من الاحتياجات اليوم، مشيرًا إلى أنّ 95%من الأسر الفلسطينية تعتمد على مساعدات إنسانية لا تكفي لسدّ الفجوة المعيشية.
ويضيف أن السوق العقاري في غزة بات منفصلاً تمامًا عن القدرة الشرائية، ما يعكس انهياراً اقتصاديًا عميقاً يتجاوز أزمة السكن ليشمل كل مفاصل الحياة الاقتصادية.
من جهتها، تقول رولا نزال، وكيل مساعد وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، في لمراسلة "آخر قصّة": "نحن نواصل تقديم مساعدات نقدية وإغاثية موجهة للأسر الأكثر ضعفًا، لكنّ أزمة الإيجارات تحديدًا تمثل تحدياً كبيرًا".
وتشير نزال إلى الأوضاع الأمنية المتقلبة وتكرار النزوح يعرقلا قدرة الوزارة على وضع برامج مستدامة، كما أن التمويل المخصص من الدول المانحة لم يغطي جانب الإيجارات نهائيًا.
وأقرّت بضعف الدور الوزاري الرسمي في ضبط أسعار سوق الإيجار، بقولها: "نحن نعمل ضمن إمكانيات محدودة، ولا نستطيع التدخل بشكل مباشر في ضبط أسعار إيجار العقارات التي تحددها السوق تحت ضغط الندرة".
اليوم، ينام آلاف النازحين مثل عائلة أبو أمير وأم يوسف بين ركام منازلهم أو تحت خيام مثقوبة. أسعار الإيجارات ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة، والمساعدات الدولية لا تكفي، والوعود بإعادة الإعمار مؤجلة إلى أجل غير معلوم. غزة تعيش تحت ثقل الحرب والدمار والغلاء، وأهلها عالقون في واقع خانق بلا حلول داخل جدران مفقودة وأسقف غائبة.
ارتفاع ايجار الشقق في غزة