في مخيم للنازحين في منطقة السرايا وسط مدينة غزة، تكدست خيمة ضيقة بثمانية أفراد بينهم ستة أطفال. جلست أم يعقوب جندية (40 عاماً) ترفع كميها وتعصر قطعة ملابس باهتة اللون بعد أن غسلتها بالماء فقط، إذ لم يعد الصابون أو مسحوق الغسيل متاحاً لعائلتها منذ أسابيع.
يداها متشققتان ووجهها تغطيه خطوط التعب، فيما كان طفلها الأصغر بجوارها يمد يده ليحك جلده المليء بالبثور. رفعت رأسها وقالت: "أغسل ملابس أولادي بالماء فقط، لا صابون ولا مسحوق غسيل، الحرارة أرهقتنا والطفح الجلدي غطى أجسادنا. حتى في مستشفى الهلال الأحمر المحاذي لمخيمنا لم يقدم لي الطبيب سوى نصيحة بالاستحمام يوميًا، لكن كيف نستحم والماء قليل وليس هناك صابون؟".
حاولت أم يعقوب كبح دمعة انسابت من عينيها، وثم قالت بصوت واهن: "عملت أنا وزوجي على بناء فرن بدائي صغير لنؤمّن ما نعيش منه بالخبز عليه للناس، لكن الحبوب انتشرت في أجسادنا جميعًا. حزينة جدا على أولادي، لا يعرفون النوم طوال الليل نتيجة البثور".
ما تعيشه أم يعقوب يتكرر في عموم أنحاء قطاع غزة، حيث يسجل الأطباء يوميًا إصابات جلدية متزايدة بين النازحين بسبب غياب مواد التنظيف وندرة المياه.
طبيب الأمراض الجلدية إبراهيم حبوب أوضح أنّ الأطفال أكثر عرضة، فالغدد العرقية لديهم غير مكتملة، ما يجعل الطفح يتحول سريعًا إلى دمامل. وفي ظل غياب الصابون والماء النظيف، تنتشر التهابات بكتيرية وأمراض كالجرب والقمل، وهو ما حذرت منه أيضًا منظمة الصحة العالمية.
وأشار حبوب إلى أن الحساسية ولدغات الحشرات تنتشر في الخيام، خاصة تلك المقامة على الأراضي الرملية أو فوق الركام حيث تتجمع مياه الصرف الصحي. كما ظهرت أمراض مثل الأكزيما والتسلخات الجلدية بسبب الحرارة وقلة الاستحمام.
أما الرضع فباتوا الأكثر هشاشة، إذ انتشرت بينهم التهابات الحفاض نتيجة غلاء الحفاضات ولجوء الأهالي لاستخدام بدائل غير صحية. ويؤكد حبوب أن القطاع الصحي يواجه شحًا غير مسبوق في الأدوية والمراهم العلاجية الخاصة بالجلد، ما ينذر بمضاعفات خطيرة إذا استمر الوضع الحالي.
في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، كان باسل أبو حسان (32 عاماً) يحتضن طفلته "جنة" التي لم تتجاوز عاماً وثلاثة أشهر. بدت الطفلة نظيفة نسبيًا، لكنه أسرّ بقلق: "منذ بداية 2024 وأنا أخزن الصابون والشامبو خوفًا من انقطاعها. لكن ما أجده في السوق غالباً رديء، لا يرغي ولا يُنظف".
حاول أن يخفي قلقه بابتسامة، لكنه أضاف: "حتى سائل الجلي ومسحوق الغسيل لا نجده إلا نادراً، نشتري ما هو متاح رغم أنه بلا أي فائدة تُذكر."
هذا النقص في مواد التنظيف ترافق مع دخول منتجات محلية مجهولة المصدر إلى الأسواق. "آخر قصة" توجهت إلى وزارة الصحة بغزة للتعرّف على إجراءاتها تجاه منع هذه المنتجات؛ غير أنّ الرد كشف مستوى العجز القائم.
مصدر في الوزارة – فضّل عدم ذكر اسمه – قال: "هذه المواد قد تترك آثاراً سلبية على الجلد والشعر." وأضاف أن قسم الرقابة الصحية لم يعد قادرًا على ممارسة عمله منذ بداية الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023، بعد تدمير المقرات الحكومية وتعطيل أنشطتها.
ونتيجة لذلك وفي ظلّ الأحداث الجارية؛ تفشت منتجات مغشوشة ورديئة ساهمت بشكل واضح في زيادة انتشار الأمراض الجلدية بين النازحين الذين يعيشون في أجواء غير صحية بالمطلق وسط الاكتظاظ وغياب المراحيض.
وفي السياق ذاته، أوضح زاهر الوحيدي من وزارة الصحة، أن 23 مشكلة جلدية ظهرت مؤخراً بين النازحين، من بينها الالتهابات البكتيرية، الحكة، الجرب، الفطريات، والشرى الحطاطي وهو طفح جلدي تحسّسي يظهر كبثور حمراء صغيرة غالبًا بسبب لدغات الحشرات.
وأكّد الوحيدي أن استخدام المياه الملوثة وغياب المعقمات ومستلزمات النظافة ساهم في تفاقم هذه الأمراض، محذرًا من أن استمرار الأوضاع الحالية ينذر بانتشار أوبئة جلدية أوسع نطاقًا.
بين خيام يغمرها القيظ جلست ميساء المناعمة (34 عاماً) أمام خيمة رديئة أقامتها في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، تحمل أنبوب معجون أسنان شبه فارغ. قالت بابتسامة يائسة: "أستخدم المعجون لغسل فمي والجلي معاً، لكن لا أشعر بالنظافة الحقيقية."
بجانبها جلس أطفالها الثلاثة يحكون جلودهم بشدة. أضافت بصوتٍ حزين: "تحمموا بلا صابون أو شامبو، وعندما جربت شامبو محلي الصنع لمرة واحدة ظهرت لهم حبوب غريبة. قصدت مستشفى العودة القريب من هنا، لكنني بالكاد حصلت على علاج، فيما تواصلت الحكة طوال الليل".
على نحوٍ غير بعيد، على أرضية رملية داخل خيمة أقيمت في مخيم البريج وسط قطاع غزة جلست الطفلة ليان أبو صعيد (11 عاماً)، يكسو الشحوب وجهها وتغطي البثور يديها الصغيرتين. قالت بصوتٍ متردد: "القصف دمّر بيتنا، فانتقلنا للعيش في خيمة، لكننا لا ننام من الحرّ والذباب. أصيب أخي بحروق من النار، وأنا أصبت بحبوب على الجلد."
إلى جوارها تحركت ديدان صغيرة على الرمل الرطب داخل الخيمة، فنظرت إليها بارتباك وأردفت: "كل يوم يزداد الأمر سوءًا".
ما تعيشه هذه الحالات لم يتوقف عند حدود خيامهم؛ فالمشهد نفسه يتكرر داخل غرف مستشفى شهداء الأقصى، حيث يواجه الأطباء يوميًا تدفق عشرات الأطفال بأعراض مشابهة.
الطبيب إياد أبو معيلي، أخصائي طب الأطفال في مستشفى شهداء الأقصى وسط القطاع، قال: "معظم الحالات التي تصلنا تعاني من طفح جلدي بكتيري يبدأ كبقع صغيرة مليئة بالسوائل، ثم تتطور لتشبه آثار الحروق. العدوى تنتقل بسهولة بين الأطفال بسبب التزاحم وسوء الأوضاع".
وأشارت تقارير طبية محلية إلى أنّ 50% من الحالات المسجلة هي شرى حطاطي – طفح جلدي تحسّسي يظهر على شكل حبوب حمراء صغيرة غالباً بسبب لدغات الحشرات. بالإضافة إلى التهابات بكتيرية وسعفة وجرب وفطريات.
على بُعد مئات الأمتار، في خيمةٍ نزوحٍ غرب دير البلح، كانت أم محمد راضي تحاول جاهدة أن تنقل جردلاً من الماء إلى خيمتها. تقول بينما العرق يتصبب من وجهها المرهق: "الصابون نفد من زمان، ومنظف الغسيل والشامبو أيضًا. أضطر أحيانًا لغسل أولادي دون ماء".
توقفت لتلقط أنفاسها، ثم أشارت إلى بركة آسنة قرب الخيام، وقالت بصوتٍ منهك: "المياه نادرة وبعيدة، وحتى إذا جاءت فهي مالحة. أما الصرف الصحي فمتراكم بين الخيام يجلب البعوض والدود".
هذه الشهادات الميدانية تتطابق مع بيانات صدرت عن وزارة الصحة التي أشارت إلى أنّ نسبة ملوحة المياه وصلت إلى 14,000 ملغ/لتر، أيّ 28 ضعف الحد المسموح عالمياً، وأكثر من 95% من سكان القطاع معرضون للإصابة بأمراض منقولة عبر المياه.
وهذه الصورة وثّقها أيضاً مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) عندما سجل تفاقم أزمة المياه والصرف الصحي في المخيمات ومناطق النزوح.
على نحوٍ آخر، اشتكت المواطنة لينا خليفة (38 عاماً) من تكلفة شراء مواد تنظيف حيث تُباع في الأسواق بأسعارٍ باهظة في ظلّ ندرتها الكاملة. وقالت السيدة التي تعيش ظروفاً معيشية وصحية معقدة وسط انعدام مصادر الدخل لأسرتها: "قطعة الصابون تباع بين 15 و25 شيقلاً، والمنظف السائل يصل إلى 50 شيقلاً للعبوة الصغيرة".
وأضافت خليفة وهي تحاول تنظيف قدر طبخ أسود من أثر الطبخ على نار الحطب بلا جدوى: "زوجي خسر مصدر دخله في الحرب فأضطر لشراء المنتجات المحلية الرخيصة وبعضها مصنوعة من زيت القلي، فتسبب لنا حساسية وجفافًا في الأيدي".
بدا الطفح الجلدي واضحًا على ذراعيها، فيما قالت: "الحياة هنا لا تُطاق، لا شيء يتناسب مع ظروف معيشة آدمية، مجرد روتين صعب لا يمكن التأقلم معه."
هذه المعاناة تمتد لتصبح صورة عامة في قطاع غزة تعكس انهيارًا كاملاً في سوق المنظفات داخل غزة، بعد الاحتلال منع دخول مواد النظافة عبر معبر رفح منذ مارس الماضي؛ ما أفرغ السوق من المواد الأساسية. وفي المقابل يضطر السكان لشراء منتجات محلية بديلة، لكنها حسب إفادات المختصين غالبًا ما تكون مغشوشة أو مضرة صحيًا.
منذر الزهارنة، صاحب شركة "بيو كلينا" ورئيس اتحاد الصناعات الكيماوية السابق، قال لـ "آخر قصة" إنّ القطاع الصناعي تلقى ضربة قاسية: وأردف: "أكثر من مئة مصنع منظفات في غزة دُمّر بالكامل، إما بالقصف أو بالحرق والنهب. الخسائر تقدر بالملايين، وإعادة بناء المصنع الواحد الكبير تحتاج إلى مليون دولار على الأقل."
ويوضح طبيعة ما يُطرح اليوم في السوق قائلاً: "هذه ليست منظفات حقيقية. يخلط بعض التجار الألوان بمواد لزجة رخيصة بدلاً من المواد الفعالة، والنتيجة منتجات بلا قدرة على التنظيف. الأسوأ أن استخدامها يتسبب بمشاكل صحية خطيرة للسكان."
وبحسب الزهارنة، فإنّ ما تبقى من المصانع شبه متوقف، بينما يعيش القطاع الصناعي في حالة شلل تام، ويحتاج إلى خطة إعادة بناء كاملة. يضيف: "هذه ليست أزمة اقتصادية فقط، بل صحية أيضاً، لأن المنظفات جزء أساسي من حياة الناس. ما يجري هو تدمير ممنهج لبنية صناعية تمس صحة مليونين ونصف المليون إنسان."
وسط هذا المشهد، لا تقف الأزمة عند حدودها الصحية، بل تفتح باب المساءلة. إفادات وزارة الصحة تكشف عجز الرقابة وتفشي منتجات مغشوشة، فيما يؤكد الناشط الحقوقي سعيد عبد الله أن منع دخول مواد التنظيف "انتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني".
وقال عبد الله: "الصابون والمطهّرات وحفاضات الأطفال تُصنّف ضمن الإمدادات الإنسانية الأساسية. منعها عقوبة جماعية محرمة بموجب المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة، وقد ترقى إلى جريمة حرب وفق نظام روما الأساسي".
بدورها، أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) أن مستلزمات النظافة جزء لا يتجزأ من الحقوق الإنسانية الأساسية، وأن حرمان المدنيين منها لا يمسّ بصحتهم فقط، بل بكرامتهم أيضًا.
مع غروب الشمس، علت أصوات الأطفال وهم يبكون من الحكة، فيما كانت النساء يحملن جالونات المياه لمسافات طويلة. بين الخيام، تفوح روائح الصرف الصحي، لتجعل المكان خانقًا. بدا وكأن تفاصيل صغيرة ـ قطعة صابون أو عبوة شامبو ـ تحولت إلى خط فاصل بين الحياة والمرض.
ويبقى السؤال مطروحًا: هل يمكن لجسد أنهكته الحرب، مثقل بالبثور والحكة، أن يواصل الحياة بلا ماء نظيف ولا صابون؟ وإلى متى سيغضّ العالم الطرف عن احتياجات هي في جوهرها حقوق أساسية يكفلها القانون الدولي؟.
معجون الأسنان بديل لسائل صابون الاستحمام