هل وفق النشطاء في نقل معاناة المهمشين؟

في اليوم العالمي للعمل الإغاثي:

 هل وفق النشطاء في نقل معاناة المهمشين؟

في خيمة نزوحه جنوب قطاع غزة، يمسك محمود أحمد، وهو أحد النشطاء على منصات التواصل المعروف باسم "يزن أحمد"، بهاتف بسيط يوجهه نحو امرأة نازحة تُعدّ الخبز على موقد بدائي قرب خيمتها، ومرّة أخرى نحو طفل من ذوي الإعاقة يبيع على بسطة في السوق. 

مشهد بسيط كهذا أصبح جزءًا من مقاطعه المصوّرة التي تمزج بين الكوميديا السوداء والصرخة الإنسانية، ليحوّل هاتفًا محمولًا متواضعًا إلى نافذة يرى العالم من خلالها معاناة المهمشين في غزة، بشكل تطوعي. 

بدأت رحلة أحمد (34 عامًا) عام 2019 حين حوّل غضبه من الأوضاع المعيشية إلى منشورات ساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي، منتقدًا الأوضاع المأساوية لفئة المستفيدين من شيكات الشؤون الاجتماعية. 

ومع مطلع 2020، تحوّلت هذه المنشورات إلى فيديوهات بعفوية تلامس تفاصيل الحياة اليومية في غزة بلغةٍ فكاهية مريرة. يقول أحمد بصوته الأجش: "الكوميديا السوداء كانت سلاحي الوحيد. استطعت نقل القهر والوجع بطريقة تصلّ إلى الناس بسرعة، دون تكلّف أو تصنّع".

لم تكن أدواته حديثة؛ فكل ما يملكه هاتف محمول وإضاءة طبيعية، غير أنّ ذلك لم يمنع انتشار مقاطعه المصورة بشكلٍ واسع، حتى وصلت بعض الفيديوهات إلى ملايين المشاهدات.

لكن مع اندلاع الحرب الإسرائيلية في 2023، برزت العديد من المعيقات في طريقه، يقول الشاب: "في بعض الأوقات كنت أنتظر ثلاثة أيام كاملة لأتمكن من رفع فيديو واحد، أو أضطر إلى الذهاب نحو الحدود المصرية بحثًا عن إشارة اتصال". أحد هذه الفيديوهات حقق 50 مليون مشاهدة في أيام قليلة، وكان بمثابة وقود يمنحه الطاقة للاستمرار رغم الألم.

لم يكن الطريق سهلًا؛ ففي اليوم الثالث للحرب، أصيب يزن بشظايا نتيجة إحدى الغارات الإسرائيلية وتسبب له بأذى في أنحاء متفرقة من جسده، وقضى شهرًا كاملًا يعاني من آثار الجروح قبل أن يُحاصر 44 يومًا في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، ثم يضطر إلى النزوح لمحافظات جنوب القطاع. 

ورغم النزوح، لم يتوقف عن التوثيق حتى في ذروة المجاعة، كما في فيديو "القطة سكر" الذي سخر فيه من تكرار وجبة العدس، بينما خلف الضحكة كان يخفي جوع أطفاله. ليتحول المقطع إلى مادة تداولها الآلاف، ويحفّز متابعين خارج أسوار غزة على تنظيم حملات تضامنية. بالنسبة له، هذه اللقطات هي الطريقة الوحيدة لجعل المهمشين جزءًا من الرواية الجماعية.

الفئات المهمشة في صلب الحكاية

على الجانب الآخر، يحمل المحامي والكاتب الفلسطيني محمود الشرقاوي (32 عامًا) رسالة مشابهة. كأب لثلاثة أطفال، يستخدم الكوميديا السوداء أحيانًا، واللغة الجادة أحيانًا أخرى، لنقل معاناة أهالي القطاع. يعتمد على منشورات قصيرة ورسائل مكثفة، وغالبًا ما تلاقي مقاطعه العفوية، خاصة تلك التي توثق الأوضاع الإنسانية، رواجًا خارج غزة.

يقول الشرقاوي: "لكل منصة جمهورها المختلف"، بينما هو يُفضل "فيسبوك" كمنصة أساسية لحضوره الرقمي ونشر رسائله؛ لكن انقطاع الإنترنت خلال الحرب كان عائقًا كبيرًا، إلى جانب ما يصفه بـ "محاربة الرواية الفلسطينية" على المنصات الرقمية. 

قبل الأحداث الجارية، كان التفاعل مع منشوراته أقلّ بكثير، لكنه توقف لفترة طويلة بسبب نزوحه إلى خانيونس جنوب القطاع وضعف شبكات الانترنت والاتصال، ليكتشف لاحقًا أنّ مقاطعه المصورة عن غزة انتشرت كالنار في الهشيم دون أن يعمل على ترويجها.

في أحدّ مقاطعه، ظهر طفل من ذوي الإعاقة يحاول اللعب وسط الركام. يضيف: "لم أنشر الفيديو لاستدرار الشفقة، بل لأقول إن هؤلاء الأطفال يستحقون حقهم في الحياة الكريمة مثل غيرهم". 

يرى الشرقاوي أنّ ما ينشره يصبح "ملكًا للناس" بمجرد تداوله، لكنه يشير إلى أن الجمهور خارج غزة نادرًا ما يصل إليه الواقع كاملًا بسبب ما أسماه "قصور الإعلام التقليدي". ويضرب مثالًا بمقاطع فيديو تناولت قضايا اقتصادية مثل "السيولة والعمولة" و"التكييش"، حيث حاول تبسيط المفاصل المعقدة التي يعانيها المهمشين في غزة، بلغة يفهمها الجميع، لكن البعض ظنّ خطأً أنه يطلب مساعدة مالية.

التحديات الرقمية

لا يواجه صانعو المحتوى في غزة، والمؤثرين صعوبات العمل إزاء ما تفرضه الحرب ميدانيًا فحسب، بل تقف أمامهم الكثير من القيود الرقمية أيضًا. خلال يناير الماضي، رصد مركز "صدى سوشال" المختص برصد وتوثيق الانتهاكات الرقمية، أكثر من 350 انتهاكًا رقميًا ضدّ المحتوى الفلسطيني؛ 43% منها على منصات "ميتا"، و35% على "تيك توك"، و15% على "إكس"، و7% على "يوتيوب".

إلى جانب ذلك، يُشكِّل ضعف الإنترنت، ونقص الأجهزة، وانقطاع الكهرباء عوائق يومية أمام استمرارية التوثيق. ورغم كل هذه المشكلات، يستمر الشباب في استخدام المنصات كوسيلة لإبراز المعاناة وكسر التعتيم.

يوضح المختص الرقمي داود الطروة أنّ وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أداة حيوية لنقل المعاناة الإنسانية في غزة، متجاوزة الإعلام التقليدي في سرعة الوصول والتأثير. فـ"فيسبوك" يُستخدم لنشر الفيديوهات الطويلة، و"إنستغرام" للمقاطع البصرية القصيرة والمؤثرة، فيما يحتفظ "إكس" بمكانته كمنصة للأخبار العاجلة وتوثيق الانتهاكات، بينما تحوّل "تيك توك" إلى منصة الشباب الأولى لبث المشاهد الحية.

ورغم النجاح في خلق تضامن تجاه قضايا المدنيين الذين يعانون الجوع والحرمان من المأوي الآمنة، تواجه هذه المنصات تحدّيات كبيرة مثل الحجب، تقييد المحتوى، وانتشار المعلومات المضللة. 

ويؤكد الطروة أنّ هذه الأدوات الرقمية، رغم أهميتها، تبقى مكملة للجهود المبذولة، وليست بديلًا عنها.

قبل نشوب النزاع، كان محمود أحمد يدير مطعمًا، أما اليوم فهو عاجز عن توفير وجبة لعائلته، لكنه لا يزال يرفض أن يخفت صوته. ومع أكثر من 270 ألف متابع على "تيك توك" و"فيسبوك" و"إنستغرام"، يؤكد أنه سيواصل ما دام قادرًا على الكلام والتصوير: "أوصلت الصورة الحقيقية عن غزة للعالم. نحن بشر نحب الحياة، لكننا نعيش تحت القصف والنزوح".

في النهاية، تبقى أصوات آلاف الناشطين الرقميين في غزة شاهدًا حيًا على المأساة، لكن يبقى السؤال: هل يسمع أحد فعلًا أصوات هؤلاء المهمشين، أم أنّ صرخاتهم ستظل عالقة في مقاطع عابرة على شاشات الهواتف، لا تجد طريقها إلى فعل أو استجابة حقيقية؟