العسر التعلمي يهدد مستقبل جيل كامل في غزة

العسر التعلمي يهدد مستقبل جيل كامل في غزة

في خيمتها المقامة وسط ركام مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة، تجلس إسلام محمد (33 عامًا) تحاول أن تُعلّم طفلها يزن وسط فوضى الحرب ومظاهر العسر التعلمي التي تفاقمت لديه بعد انقطاعه القسري عن المدرسة. 

أربع سنوات من عُمر يزن، مرّ نصفها بين جائحة كورونا والتعليم أثناء الحرب، جعلت الحروف والقراءة مهارات بعيدة المنال، وأبقت والدته تبحث عن أي وسيلة لإعادته إلى مسار التعليم في ظلّ أزمة التعليم في غزة وتدمير المدارس وغياب بيئة تعليمية آمنة.

ما الذي فقده هذا الجيل من أطفال غزة بسبب الانقطاع الطويل عن التعليم؟ وكيف ساهمت الصدمات المتتالية، من جائحة كورونا إلى الحرب، في تفاقم أزمة التعليم وارتفاع معدلات العسر التعلمي؟ هذه الأسئلة تحاول "آخر قصة" الإجابة عنها من خلال شهادات مؤثرة وأرقام صادمة.

تمسك الأم بالدفتر والكتاب الملون الذي اشترته من بسطة صغيرة في المخيم وتعيد تكرار شرح الدرس لطفلها مرات عديدة؛ لكن ملامح اللامبالاة على وجه الصغير كانت تتزايد، تسأله فيصمت، تشرح فيجول ببصره نحو باب الخيمة المفتوح حيث تلعب شقيقته التوأم ذات الأربع سنوات، قبل أن يصرخ فجأة: "سيقصفوننا ونموت، لماذا ندرس ونتعلم؟".

تحاول محمد ضبط أعصابها، وهي تدرك أن أعذاره ليست بلا أساس، لكنها ترى أن الاستسلام يعني خسارة ما تبقى من فرص التعليم في غزة. أرسلته إلى خيمة تعليمية قريبة، لكنه كان يتهرب منها عائدًا دون علمها، فاضطرت لتولي تدريسه بنفسها، إلا أنه رفض بشكل قاطع. 

تقول بصوتٍ متعب: "يودّ فقط الذهاب لطابور الماء، الركض نحو المساعدات، متابعة أسعار الطحين. ما يثير جنوني أنه بالصف الرابع ونسي الحروف والقراءة والكتابة، وعنده خلل في التركيز والذاكرة".

منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023، أغلقت المدارس أبوابها وانقطع نحو 600 ألف طالب عن التعليم، بعد أن دُمرت غالبية المدارس أو تحوّلت إلى مراكز إيواء للنازحين، وانشغل الأطفال بالحياة اليومية بين البحث عن الماء والحطب والطعام.

ماذا تكشف الإحصاءات عن حجم الفجوة التعليمية التي يعانيها أطفال غزة اليوم؟ تشير التقديرات إلى أن أقل من 9% من الأطفال يحصلون على فرصة تعليمية، معظمها من مبادرات مجتمعية، بينما يُحرم أكثر من 90% من حقهم في التعليم.

وزارة التربية والتعليم في غزة، قالت في تصريح مقتضب، إنها "تبذل جهودًا لضمان بيئة تعليمية آمنة، خاصة في ظلّ التدمير الواسع للمدارس”، لكن هذه الجهود تصطدم بواقع هشّ وإمكانيات محدودة

سلوى عابد (42 عامًا)، أم لأربعة أطفال، اثنان منهم في العاشرة والثانية عشرة، حاولت توظيف ما تعلمته في تخصص علم النفس لتحفيزهما على الدراسة لكنّها فشلت. قبل الحرب كانا من المتفوقين، لكنّ شخصياتهما تغيّرت وأصبحا أكثر عدوانية.

سجلت عابد أبناءها في مجموعات تعليم عبر "واتساب" أطلقتها المدارس التابعة لـ "UNRWA"، وتتابع تنزيل الأوراق التعليمية وحلّها وتقديم الامتحانات، فلا خيار أمامها لترفيعهما عامًا دراسيًا جديدًا سوى ذلك. وبعد محاولات متكررة، قررت إجبارهما على الدراسة، وجلبت كتبًا من إحدى الجارات، وخصصت ساعتين يوميًا في فناء البيت شبه المدمر. 

تضيف وهي تقلّب الدفاتر التي تعكس تدهور خطهما: "راجعت معهم الأساسيات، أركز على اللغة العربية والرياضيات، وأُعرِّج على اللغة الإنجليزية، لكنّي لاحظت أنّ لديهم بطئًا في الاستيعاب، وحتى مستوى الكتابة والقراءة تراجع جدًا".

تجربة التعليم الإلكتروني في غزة ليست جديدة؛ فقد فرضت جائحة كورونا والتعليم عن بعد نفسها، لكن المدارس والطلبة لم يكونوا مؤهلين للتعامل مع هذا النظام الحديث. حينها صُنّفت الفترة بأنها من الأسوأ دراسيًا، إذ تراجع المستوى التعليمي لكثير من الطلبة.

أما الآن، ومع انهيار شبه كامل للمنظومة التعليمية بفعل الحرب، أصبحت أزمة التعليم الفلسطيني أكثر تعقيدًا، وازدادت خسائر التعلّم وضوحًا، بما يهدد بخلق "جيل ضائع"، كما حذرت دراسة مشتركة من كامبريدج والأونروا.

ما هي الآثار النفسية والاجتماعية للعسر التعلمي على الأطفال في غزة؟ نزار عبد الرحمن (36 عامًا) يروي أنّ طفلته البكر (10 سنوات)، التي كانت قبل الحرب في الصف الثاني، لم تُسجل في التعليم الإلكتروني بسبب النزوح المتكرر وضعف الإنترنت في أماكن اللجوء. بعد وقف إطلاق النار المؤقت في يناير الماضي، بدأ معها رحلة لتذكيرها بأساسيات القراءة والكتابة التي نسيتها، فاكتشف صعوبة لديها في العمليات الحسابية والتمييز بين الحروف. 

أرسل عبد الرحمن ابنته إلى خيام تعليمية لتحسين مستواها، لكنّها لم تعد ترغب في التعلم، بل في اللعب بين الخيام أو جمع الحطب وإشعال النار. يقول: "لقد دمروا مستقبل طفلتي، سرقوا عامين من عمرها الدراسي". ويضيف أنه يحاول تعليمها من الصفر فيكرر الحروف الأبجدية معها لكنّ استجابتها ضعيفة للغاية، متمنيًا أن تعود المدارس في غزة التي دُمرت وتستكمل صغيرته تعليمها بشكلٍ طبيعي.

هذا المشهد يتكرر مع آلاف الطلبة في قطاع غزة، إذ قال المفوض العام لـ "UNRWA"، فيليب لازاريني، إنّ أكثر من 600 ألف طفل في غزة يعانون صدمة ويواجهون خطر ضياع مستقبلهم التعليمي. وتشير تقارير دولية إلى أنّ نحو 93% من مدارس القطاع تعرضت لـ تدمير المدارس في غزة، و84% تحتاج إلى إعادة إعمار شبه كاملة، بتكلفة تصلّ إلى 3.8 مليار دولار لتعافي مستقبل التعليم في غزة.

في الإطار نفسه، تحذر تقارير مشتركة لمنظمات حقوق الإنسان وجامعات دولية من أن الحرب في غزة قد تؤخر التعليم لدى جيل كامل بما يصل إلى خمس سنوات، ما يهدد بظهور "جيل ضائع" على المدى الطويل.

المواثيق الدولية، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فيما ورد في (المادة 26)، واتفاقية حقوق الطفل واتفاقية اليونسكو لحقوق التعليم، تكفل جميعها حق التعليم في أوقات النزاع. لكن الواقع في غزة يظهر فجوة مفزعة بين القوانين الدولية والتطبيق، ما يؤكد أن العسر التعلمي ليس ضعفًا فرديًا، إنما أزمة حقوقية واجتماعية مركبة.

المختصة التربوية حكمت المصري ترى أنّ عزوف الأطفال عن الدراسة ردّ فعل طبيعي لبيئةٍ صادمة ومرهقة؛ فالطفل الذي فقدَ الأمن والأمان لا يرى في الدراسة أولوية. وتوضح أنّ هذا الوضع قد يتطور إلى حالة من العسر التعلمي، حيث يفقد الطفل القدرة على القراءة أو الكتابة أو الحساب رغم تمتعه بذكاء طبيعي. 

وتؤكد المصري أن رفض الطفل للتعليم في غزة ليس عنادًا بل تعبير عن ألم، وهو ما يُشخص غالبًا كاضطراب ما بعد الصدمة. وتضيف المصري أنّ فقدان المهارات الأساسية في هذا العمر يزيد من احتمالية الانخراط في سلوكيات عنيفة، مع ملاحظة أعراض مثل فرط الحركة الناتج عن القلق وقلة النوم، وتفاقم صعوبات القراءة والكتابة في غياب بيئة مستقرة ودعم تربوي متخصص.

يصف عرفات جلس، المختص الاجتماعي، الوضع الذي يعيشه الأطفال بأنّه "قلق تعليمي" يمنع الطلبة من التركيز أو الاستيعاب. ويشير إلى أنّ الأمهات يحاولن التعويض بـ التعليم المنزلي في غزة، لكن الضغوط النفسية والاقتصادية تحول دون نجاح التجربة. 

ويوضح حلس أنّ التدخل التربوي يبدأ بالفهم والتقبل، والتفريق بين العسر التعلمي والمشكلات السلوكية أو النفسية، مع تخصيص جلسات تفريغ نفسي للأطفال، وتبني التعليم القائم على اللعب عبر أنشطة حسية وبصرية بدلًا من التلقين. يقول:" يجب الاستمرار بأبسط أشكال التعلم، إنّ تعليم الطفل شيئًا واحدًا يوميًا يبقى أفضل من الانقطاع الكامل".

ومع استمرار الأغلبية الساحقة من أطفال غزة بلا مدارس، يبقى السؤال: كيف يمكن إنقاذ مستقبل التعليم في غزة، ومنع العسر التعلمي من سرقة جيل كامل، قبل أن تصبح الفجوة التعليمية التي خلّفتها الحرب وجائحة كورونا مستحيلة الردم؟