وسط أكوام الركام وبرك مياه الصرف الصحي التي تغمر معسكر جباليا، تمضي الطفلة نور سليمان، ذات التسعة أعوام، مسافة طويلة سيرًا على الأقدام بحثًا عن نقطة إنترنت تتيح لها تحميل واجباتها المدرسية ومتابعة دروسها الإلكترونية.
تعيش نور في مركز نزوح يخلو تمامًا من أي اتصال بالشبكة، وهو ما يجعلها في مأزق مستمر، وقالت لـ "آخر قصة": "قبل الحرب الأخيرة كنا نواجه مشكلة ضعف الإنترنت، لكنه كان موجودًا على الأقل، أما الآن فقد أصبحنا محرومين منه تمامًا، مما يدفعني أنا وأخي إلى المشي لمسافات طويلة للوصول إلى نقطة إنترنت أقوى".
بينما تجمع الطفلة نور ثمن بطاقات الإنترنت من بيع العلب الغذائية التي تحصل عليها من المساعدات، تقف أمام والدتها رافضة العودة إلى نقطة الإنترنت، متعبة من الطريق الطويل ومياه الصرف الصحي التي تلطخ قدميها.
أما والدتها، فتبدو عاجزة أمام إحباط ابنتها، وتقول بحزن: "ابنتي ترفض الذهاب مجددًا، تطلب مني توفير ثمن الإنترنت بدلًا من إهداره على دروس بالكاد تستطيع متابعتها، خاصة أن وضعنا المادي سيئ، ونعيش على مساعدات شحيحة".
هذا العناء اليومي الذي تعيشه الطفلة ليس مجرد تفصيل عابر في حياتها، بل هو انعكاس لمعاناة أوسع تطال آلاف الطلبة النازحين في قطاع غزة، وهم من الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع، الذين باتت فرصة استكمال تعليمهم رهينة غياب الإنترنت وضعف الإمكانات.
وعلى الرغم من أن وزارة التربية والتعليم تؤكد سعيها لتحسين بيئة التعلم الإلكتروني؛ إلا أن جهودها لا تزال أقل من المستوى المطلوب، ولا تواكب حجم الحاجة الفعلية في مراكز النزوح. الناطق باسم الوزارة، صادق الخضور، أوضح لـ "آخر قصة" أن هناك تعاونًا مع شركات الاتصالات لتوفير نقاط إنترنت مجانية في بعض المراكز.
ويتوقع الخضور حدوث تحسن خلال الفترة المقبلة، لكنه في الوقت ذاته أقرَّ بأن "الإشكالية لا تحلّ بكبسة زر"، وأنّ الدمار الواسع للبنية التحتية يجعل الأمر أكثر تعقيدًا، مشيرًا إلى أن الوزارة تعمل مع وزارة الأشغال لإزالة الركام وتهيئة المدارس المتضررة.
تشير تقارير المنظمات الدولية إلى أن 93% من مدارس غزة تعرضت للتدمير، و84% منها تحتاج إلى إعادة إعمار شبه كاملة؛ مما يستدعي استثمارات تقدر بـ 3.8 مليار دولار لإعادة النهوض بالقطاع التعليمي، ويجعل واقع التعليم في غزة أحد أكثر القطاعات تضررًا بفعل الحرب.
وأمام احتياجات الطلبة العاجلة تبدو جهود وزارة التربية والتعليم بطيئة جدًا، ففي ظلّ ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، تحوّل التعليم الإلكتروني من حلًا إلى عبئًا إضافيًا على الطلبة والأهالي الذين يعانون من انقطاع الإنترنت كليًا، فضلًا عن التكلفة المرتفعة للاتصال به، والتي تتراوح بين 1-5 شيكل للساعة الواحدة؛ مما يجعلها ثقل زائد لا يمكن تحمله للكثير من الأسر الهشة التي تعيش تحت وطأة الفقر والنزوح.
فاطمة البلتاجي، طالبة جامعية وأم لطفلتين، تواجه المعضلة ذاتها، بعد دمار منزلها ونزوحها في مركز إيواء بحي التفاح شرق مدينة غزة، حيث لا تتوفر شبكة إنترنت وخطوط كهرباء، مما يجعل دراستها شبه مستحيلة، فتضطر لقطع مسافة طويلة يوميًا للوصول إلى مكان وسط المدينة يمكنها الاتصال بالشبكة ومتابعة محاضراتها.
تقول فاطمة بصوتٍ متحشرج لـ "آخر قصة": "تحمّلت الكثير في سبيل التعليم، لكن لا خيار آخر لديّ، كما أنني لا أملك رفاهية إرسال ابنتيّ الصغيرتين إلى مدرسة افتراضية؛ لأنّ تكاليف الإنترنت وحدها تتجاوز إمكانياتي فاضطررت لإلحاقهما بخيمة تعليمية بديلة".
ولا تقف المشكلة عند غياب الإنترنت فقط، بل تمتد إلى نقص الأجهزة الإلكترونية، حيث فقدت ندى نصر، طالبة الثانوية العامة، هاتفها وجهاز الحاسوب الخاص بها في القصف، مما دفعها للاعتماد على جهاز إحدى قريباتها لمتابعة دراستها، رغم ما يسببه ذلك من صعوبات وتعطيل مستمر لها.
وتضطر ندى المشي يوميًا من معسكر الشاطئ غربي مدينة غزة إلى بيت أقارب لها في حي الشيخ رضوان شمالي المدينة، حتى تتمكن من تحميل الملفات الدراسية، في ظلّ غياب أي دعم حكومي حقيقي يوفر للطلبة أدوات وإمكانات التعليم الأساسية.
الباحث التربوي أشرف كحيل، يرى أن الوضع التعليمي في غزة بلغ مرحلة كارثية، إذ تسببت الحرب في فرض حالة من الفوضى على العملية التعليمية، وزادت معاناة الطلاب الذين يواجهون تحدّيات تتجاوز التعليم إلى البحث عن سبل للبقاء.
يستنكر كحيل عودة التعليم على هذه الشاكلة ويقول لـ "آخر قصة": "لا يمكن الحديث عن تعليم ناجح دون بيئة مناسبة، فالمدارس مدمرة، والكهرباء غير متوفرة، والإنترنت شبه معدوم، ومع ذلك يُطلب من الطلبة مواصلة التعلم عن بعد، وكأنهم يعيشون في ظروف طبيعية".
وتظهر إحصاءات رسمية وصفها كحيل بـ "الصادمة" أن 6000 طالب فقط التحقوا بنقاط التعليم التابعة لإحدى مديريات التربية والتعليم، من أصل 73 ألف طالب؛ مما يكشف عن عمق الأزمة التي تهدد بارتفاع معدّلات الأمية مستقبلًا.
بينما تؤكد وزارة التربية والتعليم أنها تعمل على توفير حلول، إلا أن الواقع يشير إلى أن هذه الحلول لا تزال متأخرة ولا ترقى لمستوى الأزمة. إذ أنّ المبادرات التي تتحدث عنها الوزارة، كتوفير 10 آلاف جهاز للطلبة بالتعاون مع الشركاء الدوليين، لا تشكِّل سوى جزء ضئيل من الاحتياج الحقيقي، خاصّة مع وجود عشرات الآلاف من الطلبة الذين يفتقرون إلى أبسط الأدوات لمتابعة تعليمهم.
على الصعيد الحقوقي، يوضح خبراء أنّ تدمير إسرائيل الممنهج للقطاع التعليمي يُمثل انتهاكًا صارخًا للقوانين الدولية، حيث تنص المادة 35 من اتفاقية جنيف الرابعة، والمادة 33 من نفس الاتفاقية، على حظر العقوبات الجماعية، فيما تمنح المادة 13 و26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لكل فرد الحق في التعليم.
لذلك، يطالب حقوقيون بالضغط على المجتمع الدولي لإدخال المستلزمات التعليمية الأساسية إلى غزة، وضمان وصول الطلاب إلى الإنترنت الذي أصبح ضرورة لا غنى عنها في ظل الظروف الراهنة.
وسط هذه التحديات، يبقى طلبة غزة عالقين بين حاجتهم للتعلم وصعوبة الوصول إليه، بينما تتفاقم معاناتهم يوميًا في غياب حلول جذرية تضمن حقهم في التعليم وتحمي مستقبلهم من الضياع.
روابط ذات صلّة:
فرص إنعاشه هشة: مستقبل التعليم في غزة مجهولاً
غزة: خدمة الإنترنت تواجه الاحتكار والاستغلال
الأسر محدودة الدخل وتحدّيات التعليم الرقمي
الفقر والانترنت يُعيقان التعليم عن بعد في غزة
تعليم غير متكافئ تفرضه الأوضاع المعيشية والإجراءات الرسمية في غزة
تأثير الحرب على البنية التحتية للاتصالات في غزة