في ظلّ الأزمات والتصعيد العسكري الحاصل في قطاع غزة، يضطر الآلاف من الأشخاص إلى تبني أنماط عيش قاسية، أبرزها التقشف الإجباري، الذي يعني تقنين استهلاك السلع الأساسية وترشيد الموارد، وخاصّة المياه والغذاء والطاقة.
وتشير البيانات إلى أنّ أكثر من 80% من سكان القطاع يعانون من نقصٍ حادّ في الموارد؛ مما يدفع الأسر إلى اتخاذ إجراءات صارمة لتأمين الحدّ الأدنى من متطلبات الحياة اليومية.
يستعرض المواطن الفلسطيني يحيى برزق، ما أسماه "متلازمة التوفير"، قائلاً: "أصبحت لدي حساسية مفرطة تجاه التبذير، وكأنني أصبت بمتلازمة التوفير". وأوضح برزق أنّه عندما يشاهد مقاطع فيديو لأشخاص يغسلون الصحون ويرى الماء يتدفق بغزارة من الصنبور دون توقف، يشعر بالكثير من السوء "كأنّهم يبددون نعمة لا تُقدَّر بثمن وأقول في نفسي، هذه الكمية وحدها كانت ستكفي عائلة كاملة لأيام" حسبما قال.
وتابع برزق الذي فقد عمله في مجال تصوير الأطفال نتيجة تدمير الاستديو جرّاء الحرب، "عندما أرى مشهدًا في المطبخ، حيث جميع شعلات الغاز مشتعلة والفرن يعمل بكامل طاقته، أشعر بالدهشة من هذا الاستهلاك العشوائي، بينما في غزة أصبح الغاز عملة نادرة، وإن توفر فبسعرٍ باهظ يفوق قدرة الكثيرين، حتى أنَّ معظم العائلات باتت تعتمد على إشعال الحطب أو بقايا الخشب للطهي وأيضًا بثمنٍ باهظ".
ولفت إلى أنَّ الإضاءة لم تعد أمرا عاديًا بالنسبة له وللكثير من السكان في قطاع غزة. فإنَّ رؤية منزل مُضاء بالكامل، تدفعه للتساؤل: "هل يدّركون معنى العيش في ظلامٍ دامس لأيام وأسابيع بل وسنين؟، هل جربوا يوما انتظار بضع دقائق من الكهرباء وكأنّها كنز".
وعلى ضوء الأزمة التي يعيشها القطاع إثر اغلاق المعابر ومنع تدفق المساعدات منذ قرابة الشهر، وانعدّام مصادر دخل العائلات، واعتماد أكثر من 80% من السكان على المساعدات الغذائية، فإنّ الكثير من السكان أصبحوا يوزعون وجبات طعامهم الوحيدة على يومين متتالين من أجل التوفير.
وعن ذلك قال المواطن برزق، "هذا الشعور ليس مجرد قلق عابر، بل هو وعي عميق بقيمة الأشياء التي يعتبرها البعض أمورا بديهية. ربما لو أدرك الناس ذلك اللحظة لأصبحوا أكثر حرصًا على كل قطرة ماء، وكل شعلة غاز، وكل واط من الكهرباء تمامًا كما يفعل من عاش تجربة فقدانها في غزة".
ومما هو واضح فإن هناك تأثيرا كبيراً للنزاعات على أنماط استهلاك الأفراد، وبخاصّة الأسر التي تعتمد على المساعدات الإنسانية أو لا تملك دخلاً ثابتاً.
ووفقاً لبرنامج الأغذية العالمي (WFP) فقد أدّى التصعيد الحادّ في أعمال العنف منذ أوائل أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى ظروفٍ إنسانية حرجة في القطاع حيث يواجه أكثر من 90 في المائة من السكان انعدام الأمن الغذائي الحاد. وقام البرنامج بتوسيع نطاق عملياته ليصل إلى مليون شخص في غزة بالمساعدات الغذائية المنقذة للحياة خلال الشهرين الأخيرين.
وأوضح برنامج الأغذية العالمي أن انهيار جميع القطاعات الإنتاجية، والخدمات الاجتماعية الأساسية، والبنية التحتية في غزة أمرًا يبعث على القلق.
وابتدع السكان استراتيجيات لمواجهة الجوع، تمثلت في تخفيض عدد الوجبات، حيث تضطر الأمهات إلى تقديم وجبة إلى وجبتين لأطفالهن على أبعد تقدير خلال 24 ساعة، فيما أن برنامج الغذاء اليومي يتطلب ثلاث وجبات على الأقل.
وقالت السيدة أماني أحمد (38 عاماً) إنها لم تستطع أن توفر وجبات منتظمة لأبنائها الستة يومياً، وذلك بعدما فقدت الأسرة مصدر دخها بتدمير متجرها، واضحت تعتمد اعتمادا أساسيا على المساعدات الإنسانية.
وأوضحت أحمد التي تدير الأسرة بعد إصابة زوجها إصابة بالغة خلال الحرب، أنها تواجه تحدي يومي يتعلق بانعدام الأغذية في الأسواق، فضلا عن شح الدقيق وتوقف المساعدات، مؤكدة أنها تعتمد اعتمادا رئيسيا في إعداد وجبة الطعام الأساسية على التكية (مطاهي خيرية تقدم للسكان الفقراء).
وفيما يخص التعامل مع المياه، تقول السيدة أحمد القاطنة في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، إن أسرتها بالكاد تظفر بتعبئة جالون إلى اثنين بسعة 24 لتراً يومياً، وهو ما يجعل أفراد الأسرة يستغنون عن الاستحمام لفترات طويلة، مبينة أن عملية غسيل الملابس تخضع هي الأخرى للتقنين حيث تقوم بالغسل يومًا واحدًا في الأسبوع؛ مما يجبر الأفراد على احتمال ارتداء الملابس ذاتها لأيامٍ طويلة.
ووفقا لإحصاءات أممية فإنَّ 95% من السكان في قطاع غزة يعتمدون على مياه غير صالحة للشرب بسبب تدمير محطات التحلية. كما تفيد منظمة أوكسفام أن 65% من الأسر في مناطق النزاع تقلل وجباتها إلى وجبة أو اثنتين يومياً، كما أنها تعتمد على أغذية رخيصة الثمن وغير مغذية: مثل الخبز الجاف أو الأرز دون إضافات بروتينية.
وبحسب تقرير اليونيسف 2023 فإنّ 50% من الأطفال في مناطق النزاع يعانون تأخرًا دراسيًا بسبب الجوع ونقص الموارد. وبدأت تتضح الأثار بشكل جلي من خلال الشكوى المتزايدة للكثير من الأطفال الذين يواجهون هزلاً وضعفا حادا في التركيز وفقدان الحيوية، وفق ما أكدته أخصائية التغذية سندس محمد.
توضح محمد، أن الكثير من الأهالي يواجهون تحدّي ترف توفير المكملات الغذائية لأطفالهم، وبخاصة أن غالبية العائلات أضحت تفاضل بين الغذاء والدواء. وأكدت أن التأثير الواضح لسوء التغذية بدأ يظهر على الأطفال، الأمر الذي يستوجب تدخلاً عاجلاً من قبل المنظمات الدولية المعنية بتوفير الأغذية والمكملات والفيتامينات اللازمة للسكان بما في ذلك الأطفال والنساء، وهما أكثر الفئات عرضة للتأثر الصحي.
ويتضح من خلال سؤالنا لعدد من الأشخاص الذين قابلتهم "آخر قصة"، حول كيفية إدارة الإنفاق النقدي اليومي في ظلّ حالة الغلاء المعيشي الذي يشهده القطاع نتيجة شح السلع واحتكارها، تبين أن الكثير من السكان يتعمدون على بيع الممتلكات، حيث تلجأ الأسر إلى بيع الأصول (ماشية، مجوهرات، أثاث، وقود) لشراء الطعام، مما يفاقم الفقر على المدى الطويل.
وأوضح الأخصائي البيئي سامي حسونة، أن الأسرة تستهلك في مخيمات النزوح ما معدله أقل من 5 لتراً للفرد يومياً، مقارنة بـ 100-200 لتر في الدول المستقرة. وهذا ما يدفع للاعتماد على مصادر غير آمنة: مثل الآبار غير المراقبة أو مياه الأمطار، مما يزيد من انتشار الأمراض.
وأكد حسونة أن السكان يضطرون للاستخدام المتكرر للمياه، وبخاصة في عملية غسيل الملابس، وتحويلها إلى عملية أسبوعية بدلا من يومية، مبيناً أن الظروف البيئة لم تعد سليمة بالمطلق، مستشهداً بانتشار النفايات والآفات كالبعوض والقوارض بين خيام النازحين، الأمر الذي يُعرِّض صحة السكان إلى الخطر.
وقال حسونة، إن تقنين استخدام المياه وصابون الاستحمام والعناية بالصحة، قد أثر بشكل سلبي على صحة المواطنين، حيث أدى إلى انتشار آفة القمل بين النساء على وجه الخصوص، والحساسية الجلدية وغيرها من الأمراض، الأمر الذي يستوجب أن تتداعى المنظمات الدولية لوضع حد لهذه الكارثة الصحية.
في سياق آخر، فإنه ومع الشلل الكامل الذي أصاب محطة توليد الكهرباء الوحيدة في غزة نتيجة الحرب وقطع خطوط الامداد، وانهيار شبكات الكهرباء التجارية، وارتفاع أسعار الوقود، اضطرت الأسر إلى تقنين استهلاك الطاقة بشكل قاسٍ بما في ذلك استخدام الهاتف الجوال.
وأصبح الاعتماد الأساسي في قطاع غزة منذ بدء الحرب، على المصادر البديلة: مثل الطاقة الشمسية أو المولدات الخاصة، التي تكون مكلفة وغير متاحة للجميع. مما يضطر الكثير من الأسر الفقيرة على الدفع بمقابل شحن البطاريات لأجل توفير الإضاءة فحسب، وهو أمر يفوق قدرتها على احتمال دفع الكثير من التكاليف، ما قد يجعلها تواجه العتمة مجبرة.
ويحمل هذا التقشف الإجباري آثار نفسية واجتماعية قاسية، حيث لا يقتصر تأثير التقشف على الجانب المادي فحسب، بل يمتد إلى الصحة النفسية والعلاقات الأسرية.
تشير الاخصائية ريهام عياد، إلى أنّ 70% من النازحين والسكان عموما يعانون من الاكتئاب أو القلق بسبب الضغوط الاقتصادية التي تثقل كاهلهم في ظل انعدام مصادر الدخل ووقف تدفق المساعدات.
وذكرت عياد، أن الأسر الفقيرة والمعوزة تدفع الثمن الأكبر نتيجة هذا الصراع، مما يتطلب تدخلاً عاجلاً لضمان حصولهم على الحد الأدنى من حقوقهم الإنسانية، بما في ذلك توفير احتياجاتهم الأساسية وكافة مقومات الحياة، ثم إعداد برنامج دعم نفسي وصولاً إلى مرحلة التعافي.
بناءً على ما سبق يتبين أن التقشف الإجباري ليس خياراً، بل هو واقع مفروض على أكثر من اثني مليون نسمة يعيشون تحت وطأة الحرب منذ أكثر من 16 شهراً. وبينما تحاول المنظمات الإنسانية في تقديم الإغاثة العاجلة، تبقى الحلول السياسية والاقتصادية المستدامة هي الضمانة الوحيدة لإنهاء هذه المعاناة.
موضوعات ذات صلّة:
اقتصاد الحرب: أبرز تحولات سلوك الأفراد والأسواق
كم تحتاج سلة غزة الزراعية وقتًا للتعافي
التقشف وترشيد الاستهلاك