إنّه العشرون من مارس آذار، اليوم وفق التقويم هو اليوم الذي يسبق عيد الأم بعامه الثاني على التوالي على الأم الفلسطينية بقطاع غزة، فهو موسم تنافس الحياة مجدداً في شوارع المدينة بعد مواسم كثيرة كرأس السنة، والحب، ورمضان، وغيرها من المواسم التي تجتهد فيه المدينة أن تصنع منها فسحة صغيرة للخروج من رتابة الحياة وروتينها.
تبدأ حملة استعراض الورود بأنواعها وألوانها أمام بوابات المحال وبعضها الآخر الذي يُنادي على حملة العروض الخاصّة بالأمهات وأغنية "ست الحبايب" في مقطعها "تعيشي لي يا حبيبتي ويدوملي رضاكي" يقطعه صوت من إذاعة المدرسة القريبة أغنية "أمي ثم أمي" ضمن نشاطات احتفالات المدارس بيوم الأم، وعند بوابات المدارس يتكوَّم الأطفال أمام إحدى البسطات التي تعرض بعض المشغولات اليدوية لتصير المدينة بازاراً كبيراً اسمه "عيد الأم".
صخبٌ مفقود للعام الثاني على التوالي، ليأتي اليوم والأمهات خجلات من الاعتراف بأمومتهن في ظلّ ثقل الفقد على أخريات والجميع في الشوارع الآن يحمل كل شيء ما عدا هدايا عيد الأم السنوي، جالونات مياه في يدّ الصغار يركضون، والرجال كذلك، والنساء ذاتهن يطاردن خلف الأطفال كي يجلبوا الماء من السيارات البعيدة ومن المحطات القريبة، العيد هذا العام تصير هداياه كل شيء عدا الورد.
العام الماضي جاء وفق تقويم محطة النزوح، كنت في مدينة رفح حينها وأهدتني إحدى الصغيرات فنجاناً من بيتها ذو لون أبيض مزركشاً باللون الوردي، فتعيرني صورة قديمة لطلابي في المدرسة وهم يتنافسون بتقديم الهدايا وكروت المعايدة الخاصّة لمعلماتهم وألوان كثيرة صارت مجرد لونين أبيض ووردي في فنجان لطفلة اسمها "جوري".
يزور الموسم مجدداً المدينة بعد رحلة شقاء من نزوح وحرب وقتل وخوف وفقد، وشبح الحرب وهاجسه عاد قبل يومين من هذا الموسم، في الصباح سلّمت على جارتي وقلت لها: كل عام وأنتِ بخير!
لتسألني: ما المناسبة؟ وهي تحمل بعض الحطب لتوقد نار.
قلت: عيد الأم بكرا!
تردّ: هو اجا؟، الواحد نسي الأيام وشو هي!
لكنّها ما لبثت أن استعادت ابتسامة من زمن بعيد فـ ردت: وأنتِ بألف خير! تذكرت تلك العادة التي تفضلها الأمهات؛ إذ تدعي جميعهن أنهن لسن بحاجة للهدايا، وما أن تأتي الهدايا تظهر ابتسامتهن الخجلة والجميلة والوديعة أيضاً.
ومضيت نحو يومي، وفي بالي صور كثيرة لأمهات قابلتهن خلال العام الماضي منذ بدء رحلة التوثيق الخاصّة بالنساء الفاقدات وتلّح على بالي صورة لأم اسمها "ملاك" زارت خيمة اللقاء بالنساء صدفة، تبحث عن مختصٍ نفسي لابنتها ذات الخمس سنوات، الحرارة كانت يومها في أعلى درجاتها نهار تموز يوليو 2024 في خيمة وسط قطاع غزة في واحد من مخيمات النزوح بمنطقة النصيرات. ملاك التي جاءت تبحث عن مختص يعالج طفلتها التي يبدو أنها تعاني اضطراب ما بعد الصدمة، متناسية أو ربما متغافلة حاجتها للحديث عن تجربة فقدها لطفلها ذي العشر سنوات. هي فعلاً عادة الأمهات يغرقن في محاولات الإنقاذ على حساب حاجتهن للإنقاذ.
ملاك (37 عاماً) هي أم لثلاثة أطفال أكبرهم 15 عاماً، وأوسطهم 10 سنوات، وأصغرهم الطفلة ذات الخمس سنوات. روت ملاك في ذلك اليوم عن أبشع شعور تختبره الأمهات وتثبت من خلاله حقيقة معنى أن من البطولة هي إنجاب طفل في واقع مثل واقع غزة: "يناير 2024 صباحاً، مدخل النصيرات تقدمت الآليات والجنود نحو المنطقة، وانتشر الجنود بشكلٍ مكثف وكبير في الشارع القريب من البيت، احتمينا وسط غرفة بعيدة عن مرمى النيران والدبابات، أنا وأولادي الثلاثة وزوجي، فجأت تفجرت بوابة البيت علينا وانتشر الغبار في البيت، صرخت: نحن هنا، مدنيين! وعاد القصف وقبل أن أنهي الجملة أُطلِقت رصاصات كثيرة مثل زخ المطر، أصابت واحدة منها ابني مباشرة في القلب، وحين صرخت مرة ثانية أطلقت رصاصات أخرى، فأصيب زوجي. كنت في المقدمة ومن خلفي زوجي والأطفال الثلاث اتفقت معهم أن أكون في المقدمة ونمشي بخط مستقيم؛ لكن قدر الله أن يصاب محمد مباشرة في القلب".
أجبرهم الجنود على الخروج من البيت، فيما أبقوا جثة الطفل داخله، وهم يصوبون أسلحتهم تجاه الأم وأطفالها وزوجها الذي ينزف، ثم سرعان ما جاءت قوة أخرى واعتقلت الزوج الجريح، لتظلّ الأم وأطفالها الاثنين يطلب منهم الجنود التوجه جنوباً، فصار هذا الطلب محوراً مفصلياً في تكوين شخصية ملاك الأم.
ملاك وفق ملامحها التي عرفتها تحمل من وداعة الأمهات وهدوء الفتيات الصغيرات بجسمٍ لا يزيد وزنه عن 60 كيلو وبطول لا يزيد عن 150 سم؛ لكنني خلّتها حين طلب منها الجندي ترك طفلها الجثة والذهاب بعيون شرسة ويد راجفة تكادّ تسحب بها قلب الجندي من مكانه. وهذا ما ترجمته ملاك في سلوكها التفاوضي مع الجنود وفق ما تروي إذ فاوضت قوات الجيش بمدة لا تقلّ عن الساعة ونصفها متمرسة أمام بوابة البيت تحمي طفليها الباقيين بيدها الاثنتين.
قال لها أحدّ الجنود: أنتِ امرأة، والجثة ثقيلة!
لتردّ: ابني خفيف على قلبي وايدي تخافش علي!
وتدخل آخر: وكيف ستحملينه؟!
أجابت أن بالبيت كرسي متحرك بإمكانها حمل الطفل الجثة عليه ونقله بواسطة الكرسي!
انتظرت ملاك وقتاً طويلاً حتى تستقبل ردّ. الوقت ينفذ، المساء شارف على الدخول ليعود لها جندي ويخبرها بأنهم سيدفنونه!
لترد: انتو مش رح تدفنوه، أنتو رح تتركوه للكلاب، أنا بدي أدفن ابني بإيدي!
زادت مماطلة الجنود، فيما الوقت والمساء والبرد يأكلون حواس الأم المنتظرة رفقة طفليها الاثنين وبعد وقتٍ وافق الجنود على طلبها لكن بشرط أن تدخل وحدها إلى المنزل وتترك الطفلين الأخريين خارج المنزل، دخلت ملاك نحو المنزل حملت الطفل الجثة وتحركت نحو الخارج؛ ليوجهونها الجنود إلى الطريق المُراد قصده نحو الجنوب.
تروي ملاك: "بعد أن وصلت بداية الشارع شعرت أنني سأندم على موافقتي بأن أخرج ليتني بقيت وبدأت أسأل: كيف سأمشي بطريق مثل هذه الطريق الوعرة، تلال، وسواتر ترابية صعبة التجاوز، وشوارع ملامحها غير معروفة؛ لكنَّ دافع أن أضع ابني في قبر ولا أتركه لهم أو للكلاب هو ما يحركني، فصرت أضع الكرسي في مكان وكي أصعد التلال الترابية أحمل ابني الجثة وأصعد التل، ومعي الاثنين الآخرين وأتركهم يحرسون أخيهم وأعود تحت الساتر الترابي أعود بالكرسي، وهكذا مضيت حتى وصلت مستشفي شهداء الأقصى في دير البلح".
كان الوقت قرب العشاء وفق ما تروي ملاك من أيام يناير الشتوية الباردة قطعت فيه الطريق سيراً على الأقدام رفقة أبناءها، فيما زوجها المصاب لا تعرف وجهة اقتياده.
في صباح اليوم التالي استطاعت ملاك دفن طفلها وحدها في أطول مشهد وداع تعيشه أم مكلومة على طفلها الجثة.
أربع وعشرون ساعة كاملة تعيش أم وطفليها الاثنين مع جثة طفلها الثالث، هي بلا شك أطول ساعات وداع؛ لكن ملاك قالت حين سألتها عن عبء الوقت الطويل هذا: كنت أتمنى لو ظلّ الوقت أكثر وأكثر حتى أشبع منه".
صورة وجه ملاك لم يُغادرني منذ الصباح وازداد الحاحاً عليّ بعد أنّ استعارت جارتي الابتسامة الخجلة هذه. احتفظت بالقصة باسم "الملاك المنقذ"، إذ تحمل الأم من صفات الملاك ما يؤهلها لترى فيها عبارة "هدية من السما أمي"، ومن وداعة وسكون وطمأنينة الأمهات، يهدهدن نوم أطفالهن ويحكين حكاية ما قبل النوم، ومن القوة ما يجعل النص الشعري "أجمل الأمهات" ترجماناً لفعلها الذي ترجمت فيه غريزة الأمومة حتى آخر نفس لطفلها، وتوصيف حقيقي لمشهد رجاء الشاعر في النص "وغطي عظامي بعشب تعمد من طهر كعبك" فمن تراب مشت عليه ملاك صار غطاء لقبر طفلها محمد ذي العشر سنوات.
ليحقّ لنا بغزة أن نسمي عيد الأم "بعيد الملاك".
تنويه/ وثقت هذه القصة لصالح الكاتب نفسه، ضمن سلسلة توثيق شعور الفقد للنساء خلال الحرب المستمرة بتاريخ 1\ يوليو_ تموز\ 2024 النصيرات، وسط قطاع غزة.
امرأة فلسطينية