بفقدان الجمعية الشهرية: اقتصاد نساء غزة ينهار

بفقدان الجمعية الشهرية: اقتصاد نساء غزة ينهار

في خيمةٍ صغيرة تقع في وسط مدينة غزة، تجلس السيدة صباح سمير (57 عامًا) أمام موقد النار، تحت أشعة شمس ظهيرة اخترقت سحابتين، وتجتمع حولها جاراتها اللاتي يعشن في خيام مجاورة. وينصب حديثهن جميعاً عن الجمعيات الشهرية التي كُن يشاركن فيها قبل اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بأشهر. 

ولأن جميع النساء هنا في هذا المخيم يعشن ظروفا اقتصادية صعبة نتيجة تداعيات الحرب التي قضت تقريبا على معظم مصادر الدخل وجعلت الفئات الهشة بما فيها النساء، يعتمدن على المساعدات الإغاثية، فإن الجمعيات الشهرية كانت طوق نجاتهن من براثن الفقر والعوز فيما قبل، غير أنه من الصعوبة بمكان الآن إعادة الكرّة من جديد.

والجمعية الشهرية قد تعد واحدة من أشكال الاقتصاد المنزلي، الذي تعتمده النساء التي تعاني محدودية في الدخل، حيث يعتمدن آلية توزيع دائرية لقيمة مالية معينة، بحيث تضع كلّ امرأة مبلغًا محدّدًا بالتّساوي، ثمّ يتمّ توزيع المجموع في كلّ شهر على امرأة من المشتركات.

تذكر صباح أنّ موعدها للحصول على المبلغ من الجمعية كان في أكتوبر 2023، لكن الحرب نشبت في ذلك الشهر، مما أوقف خطتها التي كانت تستعد من خلالها لشراء مستلزمات جديدة للمنزل، مثل "كسوة مولود" لحفيدتها الأولى من ابنتها، وهو تقليد فلسطيني يتطلب توفير حاجيات المولود الأول من قبل عائلة الأم.

تقول صباح لـ "آخر قصة": "كنت كلما أردت شراء شيء من مستلزمات البيت بمبلغ كبير، أشارك في جمعية شهرية مع جاراتي أو قريباتي، فقد اشتريت عفش بيتي ودهنت المنزل، ودفعت أقساط جامعة ابنتي من الجمعيات، كانت فكرة الجمعية بالنسبة لي خيارًا سريعًا وآمنًا لتوفير مبلغ كبير دفعة واحدة، لكن منذ الحرب، اختفت الجمعيات بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية."

عملت صباح -قبل الحرب- كخياطة، وهي مهنة لا تضمن لها دخلًا ثابتًا، فكانت فكرة الادخار الشهري مع جاراتها، توفر لها المبلغ المطلوب وقت الحاجة، لتتمكن من تلّبية احتياجاتها. لكن مأساتها الكبرى تكمن في أنّها فقدت ماكينة الخياطة الخاصّة بها عندما دُمِر منزلها في بيت لاهيا، شمال غزة، بفعل عمليات القصف الإسرائيلي، وأصبحت اليوم تقتات على المساعدات الإنسانية التي تقدمها المنظمات الدولية والمحلية. 

تضيف صباح المُكناة بأم علي وهي تتنهد متأسفة على الأيام الخالية، بقولها: "حياتنا تغيرت جذريًا والوضع أصبح صعبًا للغاية، أصبحنا نعيش على المساعدات وهي غير كافية لتلبية احتياجاتنا الأساسية، ولا أستطيع العودة إلى عملي السابق في الخياطة بسبب الدمار الذي لحق بمسكني وماكنة الحياكة".

وكانت الجمعيات الشهرية تتيح للنساء فرص التوفير بشكل منظم وملموس، وهو ما  عزز  لديهن شعور بالاستقرار النفسي لوقت طويل، ولعل هذا هو أحد الأسباب التي كانت تدفعهن للمشاركة الدورية بهذه الجمعيات، وفقا لما قالته المختصة الاجتماعية فلسطين ياسين.

 توضح الاخصائية ياسين في سياق حديثه لمراسلة "آخر قصة" إن فقدان الجمعيات الشهرية أثر على النساء بشكل كبير، فقد كان لديها دور في تعزيز التعاون وتبادل العلاقات الاجتماعية، ولكن مع فقدانها باتت تشعر الكثير منهن بالعجز والوحدة، مما انعكس سلبًا على صحتهن النفسية.

والكثير من النساء اللواتي استطلعت مراسلة "آخر قصة" آرائهن حول المشاركة في الجمعية الشهرية، قلن إنهن كن قادرات على شراء مستلزمات منزلية ضرورية مثل الثلاجات، والغسالات، والأثاث، دون الحاجة إلى اللجوء إلى القروض بفوائد تثقل كاهلهن أو الاعتماد على الأقساط التي كانت يشترط فيها أحيانا زيادة قيمة السلعة بمقابل السماح بدفع ثمنها على مراحل.

 فكانت الجمعيات الادخارية بمثابة وسيلة مرنة وسريعة لتوفير المال، وفق حديث الكثير منهن؛ مما عزز شعورهن بالاستقرار المالي لوقت طويل في ظلّ الظروف المعيشية الصعبة التي كانت تعانيها غزة من الأصل نتيجة الحصار المفروض منذ أكثر من 17 عاماً.

ومع زيادة حدة الانهيار الاقتصادي جرّاء الحرب، فقدت العديد من النساء مصادر دخلهن، بما في ذلك المشاريع النسوية الصغيرة التي كن يعتمدن عليها في تحسين أوضاعهن المالية. 

مي أحمد (40 عامًا)، التي تعمل مصففة شعر "كوافير" في أحد صالونات التجميل، كانت من بين النساء اللاتي استفدن من الجمعيات الشهرية في الماضي. 

تقول السيدة التي طالما اعتلّت وجنتيها حمرة مشرقة قد انطفأت بفعل الحرب: "قبل الحرب كنت مشتركة في الجمعيات بشكل مستمر. أضع 100 شيكل شهريًا، وأتمكن من جمع مبلغ جيد من أجل شراء مستلزمات ضرورية فاشتريت قطعة من الذهب وثلاجة جديدة". 

لكنّ مي تشير إلى أن وضعها المالي تغير جذريًا منذ بداية الحرب، وعلى الرغم من عودتها مؤخرًا للعمل في خيمة صالون نسائي بعد فترة نزوح استمرت أكثر من عام في جنوب قطاع غزة إلا أنّها لم تستطع العودة للاشتراك في جمعية أو اقتراح الفكرة على زميلاتها. 

ورغم محاولاتها العديدة لتحسين وضعها المالي من راتبها الذي لا يتجاوز 300 شيكلاً أي نحو (80 دولار) ولا يكفي لتوفير أدنى احتياجاتها الشخصية، تقول مي "إن العودة إلى الجمعيات أصبحت خيارًا بعيد المنال في ظلّ غلاء الأسعار وتدنّي الدخل".

من جانبه، قال المختص في الشأن الاقتصادي، محمد أبو جياب، إنّ العديد من المشاريع الصغيرة لا سيما النسائية منها قد تدمرت بفعل الحرب الإسرائيلية، مما أثر بشكل كبير على الاقتصاد النسائي المحلي. ومع تزايد معدلات البطالة (80%) والفقر الذي يشمل أكثر من 90% من السكان، فقدت الكثير من النساء القدرة للمشاركة المالية والعودة إلى الجمعيات الادخارية، بعد أن كانت تشكِّل متنفسًا رئيسيًا للعديد منهن.

ويرى أبو جياب، أن الجمعيات الشهرية كانت أداة مهمة في مواجهة الأزمة الاقتصادية التي تعيشها العديد من الأسر الفلسطينية. وقال: "الجمعيات كانت وسيلة فعالة لتنظيم المال بشكل جماعي لمواجهة صعوبات مالية معينة، لكنها أصبحت اليوم في مهب الريح بسبب الوضع الاقتصادي القاسي".

ويشير في حديثه مع مراسلة "آخر قصة" إلى أنّ فقدان الآلاف من الأشخاص لوظائفهم وعدم وجود أمان وظيفي قد جعلت الجمعية خيارًا صعبًا للكثيرين. إذ خسِر قطاع غزة 90% من الوظائف في القطاع الخاص، و15% منها في القطاع العام، إضافة لخسارة الغزيين ممن يعملون في الأراضي المحتلة لوظائفهم أيضًا.

نوران شريف (25 عامًا)، كانت تعمل معلمة في إحدى رياض الأطفال، قبل الحرب، لكنها خسرت وظيفتها التي طالما اعتمدت على استحقاقها المالي في الاشتراك بجمعية شهرية لتوفير احتياجاتها من خلالها، فيما تعاني اليوم تأثير الحرب على قدرة أسرتها على توفير احتياجاتها عبر الجمعيات الدائرية.

كانت نوران قد بدأت جمعيتها الخاصّة قبل خمسة أشهر من اندلاع الحرب، ومن المفترض أن تحصل منها على 1500 شيكل في ديسمبر 2023. 

لكنها تقول: "اشتركت في جمعية بعدما تعطل هاتفي المحمول ولم يكن بحوزتي ثمن شراء آخر، وعند حان دوري وكنت على وشك استلام المبلغ، اندّلعت الحرب، وتوقفت الجمعية، فمعظم مشتركيها نزحوا من أماكن سكناهم وبعضهم أصيب فيما استشهدت واحدة، كما فقدنا جميعنا مصادر دخلنا تمامًا".

بقيت نوران بلا هاتف لثمانية أشهر حتى قررت هي وزميلاتها استكمال المدة المتبقية للجمعية، ورغم استلامها المبلغ، وجدت أنّ الأسعار قد ارتفعت بشكلٍ كبير فلم يعد المبلغ الذي جمعته يكفي لشراء هاتف مستعمل بمواصفات متواضعة.

بموازاة ذلك، تقول المختصة الاجتماعية "ياسين" إن انعدام الدخل أو نقصه في الفترة الحالية أثر بشكلٍ كبير على النساء من الجوانب الاجتماعية والنفسية، فقد كانت الجمعيات الشهرية تمثل أكثر من مجرد وسيلة مالية، حيث كانت تعزز ثقافة التعاون والتكافل بين النساء وتُسهم في تقوية الروابط الاجتماعية بينهن. 

لكن مع اختفاء هذه الجمعيات، بفعل الحرب، تراجعت تلك العلاقات الاجتماعية، مما جعل النساء يشعرن بالعزلة، وزادت مشاعر العجز عن التأثير في الأسرة أو توفير احتياجاتها. وهذا الشعور بالتعطل والفراغ ينعكس سلبًا على صحتهن النفسية، ويزيد من مستويات الضغط النفسي بسبب انعدام الأفق وغياب الحلول الواقعية لتجاوز الأزمات المستمرة.

ولتخفيف هذا الضغط النفسي والاجتماعي، تنصح ياسين النساء بعدم تحميل أنفسهن ضغوطًا مفرطة، مؤكدة على أهمية العناية بالصحة النفسية والجسدية. وتنصح أيضًا بوضع جدول أولويات مرن يمكن تنفيذه تدريجيًا، مع تشجيع النساء على التشاور مع أفراد الأسرة ووضع خطة مشتركة لتقاسم الأعباء. هذه الطريقة لا تساهم فقط في تخفيف الضغط النفسي، بل تقوي أيضًا العلاقات الأسرية، مما يعزز من تماسكهم ويُسهم في تجاوز التحديات بشكل أكثر فاعلية.

صحيحٌ أن الجمعيات الشهرية كانت جزءًا من الحلول التي اعتمدت عليها العديد من العائلات الفلسطينية لاسيما النساء، لأجل لمواجهة الأعباء المالية الثقيلة. ورغم الظروف القاسية التي أدت إلى انهيار هذا الخيار، يبقى الأمل في أن تتحسن الأوضاع ويعود الناس إلى الالتفاف حول هذه الحلول الاجتماعية التي تمنحهم فرصة للنجاة من الأزمة الاقتصادية التي تلقي بظلالها على قطاع غزة.

 

موضوعات ذات صلّة:

هكذا حُكِم على شباب غزة بالأشغال الشاقة

المرأة الغزية وفعل الاضطرار

غزة: النساء الفقيرات ومسؤولية تحضير مائدة رمضان