بين ألسنة الحرب: السجائر اليدوية تنقذ المدخنين

بين ألسنة الحرب: السجائر اليدوية تنقذ المدخنين

يحمل الشاب الفلسطيني محمد صقر (*) بين أصبعيه لفافة سجائر شراها للتو بقيمة (55 شيكلاً) أي ما يعادل (14 دولاراً)، رغم أنها ليست لفافة فاخرة كالتي تبدو في أيدي نجوم السينما.

وإذا كان الشاب صقر الذي يدير شركة محلية ويقيم في شمال قطاع غزة، يملك القدرة على شراء لفافة واحدة يومياً من التبغ المستورد، إلا أنه يشكل أقل من نصف في المئة من عدد المدخنين الذين يعجزون عن توفير قيمتها في الوقت الراهن بسبب الحرب الإسرائيلية التي تجاوزت شهرها السابع، دون وجود أفق لوقف إطلاق النار.

هنا يبدو السؤال: كيف يؤمن أكثر من 99% من المدخنين احتياجاتهم من التبغ في ظل الحرب والارتفاع الحاد في الأسعار؟

مع النقص الحاد في أنواع التبغ في أسواق قطاع غزة الذي يعيش حرباً ضروساً قادت إلى مجاعة حقيقة في شمال غزة، ودفعت الناس لتناول أعلاف الحيوانات، فإن المدخنين لجئوا للبحث عن بدائل. كان في مقدمتها استخدام التبغ العربي، في الوقت الذي كانوا يعتمدون فيه سابقاً على التبغ المستورد.

ولأن جزءا كبيرا من التبغ العربي مستورد، مثل السجائر المعلبة سواء المصرية أو الأجنبية، فهو لم يصمد طويلاً في السوق حيث طاله الشح وتضاعفت قيمته على نحو غير مسبوق، لا سيما مع طول مدة الحرب وحجب إدخاله عبر المعابر التجارية، والاقتصار فقط على الدقيق والبقوليات كمساعدات إنسانية.

ورغم أن التبغ قد لا يبدو سلعة أساسية في هذا الظرف الاستثنائي القاهر الذي يفرض على غالبية السكان الاعتماد على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، إلا أنه يشكل أزمة حقيقية بالنسبة لقطاع عريض من المدخنين، والذين يتجاوز عددهم في غزة 450 ألفاً (ويتركزون وفقاً للمركز الفلسطيني للإحصاء في الفئة العمرية من 40-49 عاماً) والذين يشتكون من التعرض للاستغلال من قبل التجار.

وقال عبد الله درويش (*) في الخامسة والثلاثين من عمره، إن أسعار السلع بما فيها الدخان، تخضع لأهواء التجار، بلا حسيب أو رقيب، وهذا الاستغلال يشكل استنزافاً لجيوبنا الخاوية".

وأشار درويش الذي كان يعمل موظف في شركة محلية لصناعة المواد الغذائية تعطلت بفعل الحرب، إلى أنه لجأ لشراء التبغ العربي رغم ارتفاع أسعاره، حيث يبتاع السيجارة الواحدة بـ(5 شواكل)، وهي قيمة تشكل أقل من 10% من قيمة السيجارة الجاهزة المستوردة. 

ينفث الرجل دخان اللفافة الرفيعة في الهواء، بينما كان الطيران يغير على أحياء من مخيم جباليا شمال قطاع غزة، خلف صوتا مروعاً. ويقول: "للأسف يبدو هذا التبغ مزيفاً فلم أتذوق له نكهة حقيقة (..) يبدو أننا اعتدنا أن ننفث الدخان كعادة للتعبير عن غضبنا تجاه هذا الواقع المأساوي، أكثر منه حاجة للنيكوتين".   

وقد يبدو التبغ في الوقت الراهن، واحدة من أكثر السلع مبيعاً رغم الحرب وانعدام السيولة النقدية بفعل تعطل عمل البنوك، وحرمان قطاع واسع من الموظفين في القطاعين الحكومي والخاص من الحصول على رواتبهم. وبطبيعة الحال لا تخلو هذه السلعة من الاستغلال، حيث إن قيمة (250 جراماً) من التبغ العربي كانت تباع بـ"5 شواكل"، فيما أنها وبفعل الحرب أضحت قيمتها (600 شيكل). 

وكما هو واضح، فإن معادلة الاستغلال قائمة على اتساع دائرة الاحتياج في ظل انعدام القدرة على الشراء، وبالتالي ترتفع الأسعار من ناحية، وقد تصبح البدائل مغشوشة من ناحية ثانية، في ظل انعدام شبه كامل لأدوات الرقابة الفاعلة على السوق.    

ويتجلى هذا الغش، في عملية الخلط التي يقوم بها البائع أحمد سليمان (*) حيث يقوم بمزج 250 جراماً من التبغ العربي، مع 250 جراماً أخرى من حبيبات الشاي، ثم يقوم بفركها بين يديه، وبعدها يوزع الكمية على نحو 200 لفافة ورقية، ذو فلتر مصنع يدوياً.

عمليةٌ لا تبدو معقدةً إلى حد كبير، في نظر سليمان، الذي كان يملك مهارة صناعة الكيك قبل اندلاع الحرب، لكنها تدر عليه دخلاً مناسباً بعدما فقد مصدر رزقه، كما قال.

ودافع عن هذا الفعل قائلاً: "لم أبادر إلى الغش، لقد سبقني الكثير في هذا الأمر، والزبائن يعون ذلك، لكنهم يتجاهلونه بمقابل ما ينفقون من ثمن زهيد على السيجارة الواحدة، على عكس اللفافة المستوردة والتي تزيد قيمتها عشرة أضعاف التبغ العربي المخلوط".

وتحتاج صناعة سجائر التبغ العربي إلى لفافات بيضاء يصطلح عليها (دفتر) وقيمة الدفتر الواحد الذي يحتوي على 50 لفافة ارتفع ثمنه من (5 شواكل)، إلى (120 شيكلاً)، ثم إلى فلاتر، وحتى الأخيرة فقدت من الأسواق، وقد استعاض عنها باعة السجائر بقصاصات من الاسفنج المستخدم في الوسائد والفراشات.

ومن الناحية العملية، ارتبط نشاط التبغ العربي في قطاع غزة، طردياً مع الظروف الاقتصادية فكلما زادت نسبتي الفقر والبطالة، اتجه المدخنون إليه على اعتبار أنه أقل ثمناً، فيما أنه بتحسن الظرف الاقتصادي يلجأ المدخنون إلى شراء السجائر الجاهزة.  

المتتبع لنشاط زراعة التبغ في الأراضي الفلسطينية عبر حقب زمنية مختلفة، يدرك هذه الحقيقة، فكلما اتسعت دائرة الفقر والتي كثيراً ما تسبب بها الاحتلال بفرضه تقييدات على حركة التجارة ومرور السلع عبر المعابر، كلما زاد الطلب على التبغ العربي، وزادت مساحات زراعته.

وشاعت زراعة التبغ في قطاع غزة، بعد فرض الحصار الإسرائيلي على القطاع 2007، وقدرت مساحة زراعته بنحو 500 دونم تقريباً، واستوطن التبغ في بلدة القرارة شرق محافظة خانيونس جنوب قطاع غزة-منطقة تعرضت أراضيها إلى تدمير واسع بفعل الحرب- وهي منطقة عرفت زراعة الدخان قبل مئة عام تقريباً، لكنها هجرته بعد احتلال القطاع عام 1967. ثم ما لبت أن عادت إليه بفعل تقييدات الحصار، طبقاً لما قاله في وقت سابق الخبير الزراعي نزار الوحيدي.

وفي الحقيقة، لا يتجاوز مستوى انتاج التبغ في غزة ما نسبته 5% من حصة السوق المحلية من احتياجات السجائر، وفق تقديرات سابقة للخبير الوحيدي.   

وتوفر زراعة التبغ حوالي 2 مليون سيجارة سنوياً طبقاً لتقديرات محلية. ولو افترضنا أن متوسط التدخين اليومي للشخص الواحد هو (20 سيجارة) فمعنى ذلك أنه يحتاج إلى استهلاك 7200 سيجارة سنوياً. هذا يغطي بشكل عملي احتياج 580 شخصاً خلال ستة أشهر فقط من عمر الحرب. فما بالك عندما يكون نسبة المدخنين في قطاع غزة للفئة العمرية (18- 69 عاماً) بلغت أكثر من 30% من إجمالي الأفراد، ويرزحون تحت ظلال الحرب للشهر الثامن على التوالي؟.

ومن الأصل، تطفى صبغة دينية في المجتمع الغزى على تداول الدخان، استناداً إلى فتاوى شرعية تحرمه، فكيف بالحال عندما يصبح مغشوشاً، فالأمر قد يصبح أكثر تعقيداً شرعياً وصحياً أيضا.

ويقول الباحث الاقتصادي أشرف إسماعيل، إنه من البديهي أن تتسع دائرة الغش في السوق المحلية والتي طالت الكثير من السلع بما فيها السلع الغذائية، نتيجة تقييد حركة دخول البضائع إلى القطاع منذ بدء الحرب في السابع من تشرين الأول الماضي.

وفرض الجيش الإسرائيلي سيطرة كاملة على معبر رفح الواصل بين غزة ومصر، بعد إعلانه شن عملية عسكرية على رفح (أقصى جنوب قطاع غزة)، عدا عن سيطرته الكاملة على معبر كرم أبو سالم وهو المعبر التجاري الوحيد الذي يربط غزة بإسرائيل، ويتحكم بشكل ونوعية السلع التي تدخل إلى القطاع وفق سياسة يصطلح عليها السكان "تدفق بالقطارة".

وقال الباحث إسماعيل: "صحيح أن الاحتلال يمارس ضغطاً كبيراً وحصاراً شديداً على السكان الذين يتجاوز عددهم 2.3 مليون إنسان، لكن هذا ليس مبرراً لأن يمارس التجار الاستغلال والغش بحق السكان الذين يعانون احتياجاً ماساً للكثير من السلع بما فيها الدخان".

وأضاف "ليس مستوى الاحتياج وحده الذي ساهم في زيادة مستوى الغش في السلع، فغياب الرقابة الرسمية الناتج عن وقوع الأجهزة الحكومية تحت طائلة الاستهداف، قد أطلق يد الكثير من الأشخاص في بيع سلع غير مطابقة للمواصفات الصحية".

وطبقاً للمادة (31) من قانون المواصفات والمقاييس الفلسطينية رقم (6) لسنة 2000م، فإنه يعاقب بالحبس، أو دفع الغرامة أو كلاهما، كل من طرح أو عرض مواد غير مطابقة للتعليمات الفنية الإلزامية في الأسواق أو المحال التجارية.

 

(*) أسماء مستعارة