خيمة لمحاربة تجهيل أطفال شمال غزة

الصحوة التعليمية:

خيمة لمحاربة تجهيل أطفال شمال غزة

تلهب الشمس خيمة مصنوعة من النيلون مقامة على أربعة أضلع خشبية، تحتل مساحة صغيرة على أنقاض مبنى تعرض للتدمير والتجريف نتيجة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي اندلعت في السابع من تشرين الأول الماضي.

يكتب على مدخل الخيمة التي تطل على شارع الجلاء غرب مدينة غزة الذي كان قبل أشهر قليلة مرتعاً للآليات العسكرية، (خيمة بلا حدود للصحوة التعليمية) وهي مخصصة لتعليم الأطفال الذين لم يتجاوزا ربيعهم الثاني عشر.

بفعل الحرارة فتحت للخيمة نوافذ، يعبر منها الضوء والهواء وأصوات طائرات الاستطلاع وضربات القذائف بين حين وآخر. ومع ذلك تقف المعلمة الفلسطينية نوال أبو نادي تستعرض مهاراتها العلمية أمام مجموعة من الطلبة الصغار، الذين من بينهم أيتام ومصابين ونازحين أيضا.

يحمل الطريق الذي تطل عليه الخيمة من الناحية الغربية، الغبار والأتربة نتيجة تدمير البنى التحتية والشوارع، فضلا عن الضوضاء الناتجة عن البائعين وأبواق المركبات التي تمر بالقرب، لكن كل ذلك لم يثني المعلمة أبو ندى عن مواصلة التعليم لمجموعة من الطلبة من أصل 600 ألفاً توقفوا قسراً عن مواصلة تعليمهم، نظراً للحرب التي عرضت 414 مدرسة وجامعة للتدمير الكلي والجزئي على مستوى القطاع، طبقاً لمعطيات المكتب الإعلامي الحكومي بغزة.

تقول أبو ندى وهي واحدة من فريق مكونة من ثلاث معلمات، "جاءت فكرة الخيمة التعليمية، بناء على طلب الكثير من الأهالي الذي بدأوا يلحظوا خطورة توقف أبنائهم عن التعليم لمدة تزيد عن سبعة أشهر، الأمر الذي حَرف فكر الطلبة نحو المساعدات والمعلبات والبقوليات وغيرها من مصطلحات يتداولها المنكوبين بفعل الحرب ونسي الأطفال مناهجهم ومساقاتهم التعليمية، لذلك أطلقنا فكرة الصحوة التعليمية".

 

 تحارب المعلمة وزميلاتها، تحديات مختلفة، فهم جزء من الحالة العامة التي تلقي بظلال سلبية على جميع السكان الذين يقدر عددهم بنحو 700 ألف نسمة يقطنون شمال غزة، وهم أيضاً بحاجة إلى التفكير خارج الصندوق لأجل الأطفال الذين يحتاجون إلى رعاية خاصة في ظل التداعيات النفسية الخطيرة للحرب عليهم.

لذا قالت: "الحرب فرضت علينا ولا نعلم متى تخمد مدافعها، نحن يجب أ ن نبقى كما عهدنا العالم شعب متعلم ومثقف، رغم كل الظروف المحيطة التي تبعث على الإحباط لكننا متمسكون بحق أطفالنا بالتعليم، وأكثر ما يجعلنا متحمسون لفكرتنا هو ترحيب المجتمع المحلي بالمبادرة التي لم تحظ بأي شكل من أشكال الدعم المادي".

تنصت المعلمة بإمعان إلى الطلبة الذين يتوافدون إلى الخيمة بغية التسجيل بمقابل أجر مادي زهيد جداً (دولار ونصف)، بمقابل الحصول على دروس في اللغة العربية والانجليزية والرياضيات، إلى جانب إفراغ مساحة للعب والترفيه عنهم.

يُستقبل الطلبة بعد تعبئة استمارة لدراسة الحالة، لاسيما أن الكثير منهم من الأيتام والنازحين والمصابين، بفعل الحرب التي تدخل شهرها الثامن على التوالي بدون وجود بوادر لقرب وقف إطلاق النار.

  تقول المعلمة "الأطفال يواجهون تحديات كبيرة جداً، لذلك علينا أن نراعي ظروفهم الصحية والنفسية قبل إخراطهم في العملية التعليمية (..) نحن لا نعتمد المنهاج التعليمي، لكننا نقوم بتوزيع الأطفال ضمن ثلاث فئات عمرية مشتركة، كل فئة منهم تتلقى مستوى معين من التعليم، عن طريق مهارات اللعب وغيرها من تقنيات تعليمية مختلفة".

وأوضحت المعلمة التي فقدت جزء من زملائها وزميلاتها خلال الحرب، أن الفريق الذي يساندها في الخيمة ذاتها، سوف يمزج بين الدعم النفسي والتعليم، مشيرة إلى ضرورة اسناد الطلبة ومحاولة استعادة حيويتهم تجاه تلقي التعليم، وبخاصة بعدما فقدوا الكثير من زملائهم الطلبة.

وبحسب تقديرات المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، فقد قتل أكثر من 15 ألف طفل من قطاع غزة، فيما أن 17 ألف طفلاً يعيشون بدون والديهم.

 وفي ظل انعدام مصادر الأمان في ظل مواصلة الطيران الإسرائيلي شن غارات على مباني مختلفة في القطاع، قالت المعلمة أبو ندى، "فضلنا إقامة خيمة على المكوث داخل مبنى مثلاً، لأن ذلك قد يشكل خطراً على حياة الطلبة (..) المباني جميعها محل استهداف، لذلك فإن الخيمة التعليمية المفتوحة ستكون أكثر أمناً بالنسبة للأطفال رغم أنها لا توائم البيئة الصفية".

 وأشارت إلى أن اختيار موقع الخيمية التعليمية، في البداية كان يعتمد على قربها من مراكز الإيواء، غير أن التجربة أثبتت فشل الأمر نتيجة الضوضاء الحاصلة والتي تشتت انتباه الأطفال، فضلاً عن ضرورة إخراج الأطفال من بيئة النزوح والإيواء إلى محطة أخرى قد تساعده إلى حد ما على التشاف والتعلم والتثقيف.

وقالت أبو ندى التي تعمل في هذه المهنة منذ 20 عاماً: "الأطفال بحاجة إلى بيئات صحية وسليمة، تساعدهم على التخلص من الطاقة السلبية التي تحصرهم نتيجة الحرب، لكن هذه الخيمة هي جل ما بوسعنا فعله لأجل هؤلاء الأطفال". وعولت على نجاح التجربة، من أجل إقامة خيام أخرى تساعد في تحسين ظروف المئات من الطلبة التعليمية. "نحن بحاجة إلى أن يكون هناك شعاع أمل وسط هذا الخراب والدمار والموت، وأنا واثقة أن غزة ستكون بخير"، قالت ذلك وهي تستعد لإغلاق الخيمة بعد يومٍ حارِ وشاق.