جائحتان تتفشيان بخطى متوازية في غزة: كورونا وعمالة الأطفال

جائحتان تتفشيان بخطى متوازية في غزة: كورونا وعمالة الأطفال

خطفت جائحة كورونا جُلَّ أقدام الأطفال من الشوارع والتجمعات العامة في مختلف دول العالم وقطعتها حتى عن المؤسسة التعليمية، إلاّ في قطاع غزة فإن الأطفال مجبرون تحت وقع الفقر على النزول إلى الشارع بحثاً عن لقمة العيش.  

خطفت جائحة كورونا جُلَّ أقدام الأطفال من الشوارع والتجمعات العامة في مختلف دول العالم وقطعتها حتى عن المؤسسة التعليمية، إلاّ في قطاع غزة فإن الأطفال مجبرون تحت وقع الفقر على النزول إلى الشارع بحثاً عن لقمة العيش.  

قد يرى البعض ألاّ مبرر لهذا الفعل الخطر وأنا منهم، لكن هذا هو الواقع الذي لا بد من أن نعترف به، إذ إن اتساع رقعة الفقر أدت إلى زيادة ملحوظة في معدل عمالة الأطفال، وخصوصاً مع انقطاعهم عن الدراسة الوجاهية، ولا سيما لطلبة المرحلتين الابتدائية والإعدادية.

المفارقة في مسألة تفاقم عمالة الأطفال، هي أن نحو 160 ألف شخص تقريباً قد تأثروا بشكل مباشر وغير مباشر بجائحة كورونا من مختلف القطاعات (الزراعة والصيد، السياحة، البناء، التجارة، الصناعة) في غزة، فإذا كان هؤلاء قد تعطلوا، فكيف تنامى عمل الأطفال؟ 

حتى نتمكن من تفسير هذه المفارقة، علينا الرجوع إلى ثلاثة عوامل أساسية ساهمت في انتشار ظاهرة عمالة الأطفال في القطاع، وهي:

أولاً: العامل الاقتصادي: إذ يعد قطاع غزة من أكثر المناطق فقراً على مستوى العالم بفعل تجاوز مستوى البطالة الـ 82% وهو أمر قد ساعد في دفع الأطفال نحو الانخراط في سوق العمل، سواء عبر الأعمال الحرفية أو الأعمال الحرة كالبيع على المفترقات الرئيسية وتسويق البضائع للمصطفين على شاطئ البحر وفي المتنزهات.  

إضافة إلى ذلك، فإن بعض أصحاب الحِرف والمتاجر اضطروا إلى تسريح عمالهم في ظل عمليات الإغلاق وحظر التجوال، وبالتالي اعتمدوا على أطفالهم في مساعدتهم في بعض الأعمال.

ثانياً: العامل التعليمي: أدت جائحة كورونا إلى وقف التعليم الوجاهي، والاعتماد الكلي على التعليم الإلكتروني الذي سبب أزمة لدى الفئات المجتمعية الأكثر هشاشة في ظل العجز عن توفير الإنترنت والكهرباء بصورة دائمة، فضلاً عن معوقات عدم توفر الأجهزة اللوحية، إذ تشير تقديرات المركز الفلسطيني للإحصاء إلى أن 62% من الأطفال (7- 10 سنوات) في قطاع غزة، استخدموا الإنترنت، وهذا يعني أن ثلث الأطفال تقريباً لم يستخدموه.

وقد يبدو هذا الأمر، أحد الدوافع التي عززت فرص نزول الأطفال للبحث عن عمل للمساعدة في تغطية حاجات أسرهم.

لذلك نجد أن معظم الأطفال الذين يعملون حديثاً وفق استطلاع أجريته، ينحدرون من الأحياء الأكثر فقراً على مستوى القطاع، أو يعيشون في العشوائيات والمخيمات، ويشتكون جميعهم من انعدام مصدر الدخل بفعل تعطل الأب عن العمل.   

وبالمناسبة، فإن الحصار وجائحة كورونا، أصبحا يُهددان الأمن الغذائي لنحو 80% من الأسر في قطاع غزة، وفق تأكيد اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار، وهذا في المحصلة يعني أن عدداً كبيراً من هذه الأسر قد يدفع بأطفاله إلى الشارع من أجل توفير ولو كسرة خبز لسد الرمق.

ثالثاً: العامل الاجتماعي: يؤثر التفكك الأسري تأثيراً مباشراً في ظاهرة عمالة الأطفال، إذ ينتج التفكك من الطلاق الذي يضع عبء تعليم الأطفال على عاتق الأم بحكم قوانين الحضانة، وهو ما يدفع بالطفل إلى سوق العمل لإعالة نفسه وأسرته، إلى جانب زيادة عدد أفراد الأسرة وعدم تنظيم النسل، الأمر الذي يثقل كاهل رب الأسرة ويؤدي إلى عجزه عن توفير متطلبات الحياة.

وبخلاف الصورة النمطية عن عمالة الأطفال، عززت جائحة كورونا شكلاً آخر من أشكال العمل يمكن أن نسميه "التسول المقنّع" الذي يمارسه أطفال جائلون يستدرّون عطف المارة ببيعهم أشياء زهيدة الثمن، أو مفاجئة السائقين بتنظيف سياراتهم وحشر أنفسهم من نوافذ المركبات وتعريض حياتهم أحياناً للخطر في مقابل الحصول على بضعة شواكل، والأكثر خطورة من ذلك هو عدم اكتراثهم لارتداء الأقنعة الطبية الواقية، الأمر الذي يؤثر تأثيراً مباشراً في صحتهم.

ويتعارض هذا العمل مهما كان شكله ودرجة خطورته مع المادة 14 من قانون الطفل الفلسطيني، والمادة 93 من قانون العمل الفلسطيني، اللتين تمنعان تشغيل الأطفال دون سن الخامسة عشرة، وتسمحان بعمل الأطفال 15-17 سنة بشروط معينة منها: ألاّ تكون هذه الأعمال خطرة، وأن تكون ساعات العمل قصيرة، وتوفير الكشف الطبي للأطفال كل 6 أشهر.  وقد تم تعديل قانون الطفل الفلسطيني، وإدراج عمل الطفل لدى الأقارب من الدرجة الأولى ضمن عمالة الأطفال.

في واقع الحال، يظل هذا القانون حبراً على ورق في ضوء تجاهل الحكومة التي تديرها حركة "حماس" في غزة -ولا أعلم عن قصد أو من دون قصد- حماية هؤلاء الأطفال، إذ إنهم يعملون في وضح النهار على المفترقات الرئيسية ومن دون تدخل أي من الجهات المسؤولة لكبح جماح هذه الظاهرة التي باتت تتفشى ولا سيما مع انعدام فرص تحسين المستوى المعيشي.

هذا التجاهل حقيقةً لا يعفي الجهات المسؤولة من تحمل مسؤولياتها، ومراعاة الآثار التي يمكن أن تنجم عن هذه العمالة، ومنها تعريض الأطفال لظروف صحية وعقلية سيئة نتيجة مضاعفة الأعباء الملقاة على كاهلهم، إلى جانب حرمان الطفل الحصول على قدر ملائم من التعليم، فضلاً عن حرمانه التمتع بطفولته، وهذا بحد ذاته لن يفضي إلاّ إلى جيل "فاشل"، نتيجة ما يمكن أن يكتسبه من عمله ومخالطته لمن هم أكبر منه سناً، واحتمال وقوعه في فخ الجريمة كالسرقة مثلاً لأجل توفير المال، أو تعاطي المخدرات بدافع الهروب من الواقع البائس الذي يعيش.

 كما على المؤسسة الصحية أن تعي أن عمل هؤلاء الأطفال قد يزيد من احتمال إصابة أي منهم بفيروس كورونا نتيجة مخالطته مئات الأشخاص، وبالتالي فهذا يساهم بشكل أو بآخر في زيادة نسبة تفشي الفيروس داخل قطاع غزة الذي يعاني تدهوراً في القطاع الصحي أصلاً، ويقف عاجزاً أمام مواجهة الجائحة.

إضافة إلى ما تقدم، فإن مؤسسات المجتمع المدني أيضاً مطالبة بتوجيه مشاريعها نحو الحد من عمالة الأطفال، سواء كان ذلك عبر المشاريع التوعوية والتنموية أو حتى الإغاثية التي يمكن أن تحد قدر الإمكان من انخراط الأطفال في سوق العمل.