تعيش الأرملة نجاح خالد (65 عامًا) في خيمةٍ تفتقد لأدنى مقومات الحياة بمنطقة دير البلح وسط قطاع غزة. وتكابد السيدة خالد ظروفا قاسية للغاية نتيجة تدّاعيات الحرب الإسرائيلية المندّلعة منذ أكتوبر 2023. وعلى الرغم من ذلك تقول نجاح إنّه لم يتم منحها أيّ مساعدة عينية أو مادية من وزارة التنمية الاجتماعية منذ عامٍ وخمسة أشهر.
وتعتمد الستينية نجاح اعتماداً كاملاً على راتب تقاعدي يبلغ 400 شيكل شهريًا، وهو مبلغ لا يكفي تلّبية احتياجاتها، وأحيانًا كثيرة تضطر للاستدانة من أقاربها، في ظلّ الارتفاع الحادّ للأسعار بعد إغلاق المعابر إثر انهيار وقف إطلاق النار في 18 مارس الحالي.
تلك السيدة التي فقدت منزلها نتيجة القصف الإسرائيلي في أكتوبر 2023 خلال الاجتياح البري لحيّ الكرامة شمال قطاع غزة، وظلّت بلا مأوى إلى أن اضطرت للبقاء في خيمة تنعدم فيها إمكانات البقاء على قيد الحياة حتى الآن. لكنها تمثل نموذجًا للعديد من الأسر الصغيرة التي تُركت بلا دعم وتعاني غياب عدالة توزيع المساعدات.
وعلى الرغم من أنَّ هناك نظامًا موحدًا في توزيع المساعدات يهدف لتجنب الازدواجية (حصول الأسرة الواحدة على أكثر من مساعدة) وضمان وصول المساعدات للأسر المحتاجة بشكلٍ عادل؛ إلا أنَّ السؤال المطروح: لماذا لا تتلقى الأسر الصغيرة التي تتكون من ثلاثة أفراد أو أقلّ المساعدات حتى الآن؟ وأين هم النساء اللواتي بقين وحيدات دون معيل من هذا النظام؟.
نجاح ليست إلا واحدة من آلاف السيدات اللواتي يشتكين فقدان حقهن في المساعدات التي تقدّمها الجهات الحكومية وغير الحكومية نتيجة لوجود خللٍ في النظام الحكومي الحالي، فيما لا توجد أرقام دقيقة حتى اللحظة تُفصل الفئات المستفيدة دون غيرها.
يشير أمجد الشوا، نائب المفوض العام للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في قطاع غزة، إلى أنّ النظام الحكومي يظلم الكثير من الأسر التي تقودها النساء والأسر الصغيرة. ويؤكد الشوا أنَّ النظام يحتاج إلى تطوير ومراجعة عاجلة، مشيرًا إلى ضرورة إشراك جميع الأطراف المعنية في تقديم المساعدات لضمان عدالة التوزيع.
وأوضح في حديثه لمراسلة "آخر قصة"، أنّ العدالة في توزيع المساعدات يجب أن تأخذ في الاعتبار تنوع الأسر، قائلاً: "بينما يُعطى الأولوية للأسر الكبيرة بسبب عدد أفرادها، يجب ألا يتم تجاهل الأسر الصغيرة التي تضمّ أرامل ومطلقات وأشخاصًا ذوي إعاقات. فالعدد ليس العامل الوحيد في تحديد الأولويات، بل يجب أن تُراعى ظروف الأسر الأخرى".
وفي حين أنّ هناك تقارير محليّة ودولية تشير إلى أنَّ معظم سكان غزة يعتمدون على المساعدات الإغاثية للبقاء على قيد الحياة، خاصّة مع تدمير الاحتلال للبنية الاقتصادية والاجتماعية وفقدان مصادر الدخل بسبب الحرب، نجد أن الكثير من العائلات وبخاصة تلك التي تعولها نساء أو كبار سن، تُعاني سوء توزيع المساعدات التي تعتبر شريان حياة للسكان في قطاع غزة.
وتشير تقديرات منظمات إنسانية إلى تفشي معدل الفقر في أوساط قطاع غزة جرّاء الحرب إلى أكثر من 80% وانعدام الأمن الغذائي بما يصلّ إلى 96%؛ ما يعني أنَّ الغالبية العظمى من السكان يعانون الفقر وسوء التغذية، بصرف النظر عن اعداد أسرهم.
حمادة أبو عودة، شاب من بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، كان يعمل في محلّ تجاري لإعالة أسرته المكونة من ثلاثة أفراد؛ إلا أنّ الحرب قضت على مصدر رزقه، وأصبح الآن يعتمد على المساعدات الإنسانية.
يقول أبو عودة بحسرة: "قبل الحرب، كنت أعمل بأجرة يومية قيمتها 40 شيكلا ولم أكن بحاجة إلى مساعدة أحد، أما الآن، أصبحت أنتظر الكابونة (الطرد الغذائي) من أيّ مؤسسة حكومية أو دولية، لكن الغريب في الأمر أن الأسر المحيطة بنا من جيران وأقارب قد تلّقت مساعدات، فيما نحن لم نتلقَ شيئًا".
وينتظر أبو عودة، مثل العديد من أفراد الأسر الصغيرة، أن تلتفت وزارة التنمية الاجتماعية لحاجتهم الماسّة للمساعدات في ظلّ تدهور الأوضاع الإنسانية في القطاع.
أمام هذه الحالة، وجّهت المراكز الحقوقية العاملة في غزة نداءً للجهات المعنية سواء الفلسطينية أو الدولية بضرورة إعطاء الأولوية للأسر الصغيرة، خاصّة تلك التي تقودها النساء. وأشار أمجد الشوا إلى وجود مشكلة حقيقية في توزيع المساعدات، حيث تشكِّل خطرًا على الأسر الصغيرة التي تضمّ أطفالًا وكبارًا في السن والذين لا يتوفر لهم غالبًا مصادر دخل.
لكن وزارة التنمية الاجتماعية وهي الجهة المسؤولة عن توزيع المساعدات في قطاع غزة، اكتفت بنشر رابطًا إلكترونيًا لسكان غزة من أجل تسجيل بياناتهم والتحديث الدوري لها بهدف الاستفادة من المساعدات. ومع ذلك، فإنّ الكثير من الأسر اشتكت من أنها لم تتلقَ المساعدة حتى الآن على الرغم من تحديث بياناتها بشكلٍ دوري.
في المقابل، أقرّت مدير عام التخطيط وإدارة المساعدات في وزارة التنمية الاجتماعية، منال أبو رمضان، أنّ الوزارة تُواجه تحدّيات كبيرة في تغطية احتياج الأرامل والأسر الصغيرة التي تتكون من ثلاثة أفراد أو أقل، وذلك بسبب محدودية الموارد وعدم كفاية المساعدات لتغطية جميع الفئات المتضررة، وفق قولها.
المواطنة هند البنا، من سكان مخيم جباليا شمال القطاع، تُعيل أسرتها المكونة من ثلاثة أفراد بعد أن أُصيب زوجها في قدميه أثناء عمله في البناء؛ ما أفقده القدرة على العمل. وعلى الرغم من اتصالاتها المتكررة بالوزارة للحصول على المساعدة، لم تتلقَ أي دعم.
تقول هند بحزن: "توجهت إلى العديد من المؤسسات الإغاثية مشيًا على الأقدام، لكن لم أجد أي فائدة. كل ما أتلقاه هو طرد غذائي من وكالة الأونروا بين الحين والآخر، يتكون من كيلو سكر وبعض المعلبات". على ضوء ذلك اضطرت هذه السيدة إلى بيع المعلبات لتتمكن من توفير احتياجات أساسية لأسرتها، وقالت باستهجان: "من غير المعقول أن نظلّ محلّ تجاهل!".
ويتسبب عدم وصول المساعدات الإغاثية بشكلٍ عادل لجميع الفئات بأثار نفسية قاسية، وفقًا لما أشار إليه المختص النفسي والاجتماعي مصطفى كُلّاب؛ موضحًا أنّ الضغوط النفسية والاجتماعية تتزايد على كاهل الأسر الصغيرة التي تعاني من التمييز في الحصول على المساعدات.
يقول كُلّاب إن الأسر الهشة تتعرض للعديد من الضغوط النفسية، بما في ذلك الابتزاز النفسي والجنسي في بعض الأحيان. كما يضطر العديد من النساء للعمل في مهن شاقة لتوفير دخل بسيط، مثل العمل في تنظيف المنازل أو رعاية الأطفال.
وواحدة من أبرز تداعيات الأعباء النفسية أنها تؤثر على العلاقات الأسرية، كما يقول المختص النفسي كُلاب، قد تصل إلى الطلاق وتفكك العديد من الأسر.
وبالعودة إلى مدير دائرة التخطيط في وزارة التنمية "أبو رمضان" فقد أشارت في اتصالٍ مع مراسلة "آخر قصة" إلى أنّ الوزارة تركز على إعطاء الأولوية للأسر الكبيرة العدد، خاصّة تلك التي لديها أطفال أو أشخاص ذوي إعاقة؛ لكنها تقول إن الوزارة تقدم أيضًا مساعدات إضافية للأسر التي لديها نساء مرضعات أو حوامل بسبب احتياجاتهم الخاصة في ظلّ الظروف الراهنة.
ومع ذلك، يبقى صدى صرخات الأسر الصغيرة المكتومة أكبر من الدعم الرسمي المتواضع. وفي الدفاع عن حقها بتلقي المساعدات، قال "الشوا" الذي يشغل رئيس شبكة المنظمات الأهلية في غزة، إنَّ المساعدات الإنسانية حقًا أساسيًا لجميع السكان في حالات الطوارئ والأزمات، كما يقرّ بذلك القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف التي تحظر التمييز في توزيع المساعدات.
وعلى الرغم من وجود أنظمة تهدف إلى ضمان توزيع عادل للمساعدات، فإن ّالأسر الصغيرة، خصوصًا تلك التي تقودها نساء أو تضم أفرادًا ذوي إعاقات، لا تزال تعاني من التمييز في الحصول على الدعم، ووفقًا للشوا، فإنّ غياب العدالة في توزيع المساعدات يُعتبر انتهاكًا للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لهذه الأسر، حيث يُحرمون من الحق في المساواة أمام الحصول على المساعدات الإنسانية الضرورية لبقاء كرامتهم وحياتهم.
وأوضح الشوا أنَّ الوضع القائم في غزة يتطلب تدخلًا عاجلًا من الجهات الحكومية والمنظمات الدولية لضمان العدالة الاجتماعية في توزيع المساعدات، بما في ذلك إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة تشمل جميع الفئات المتضررة من الأزمات. كما أن الحقوق الاقتصادية للأفراد، مثل الحق في العمل والعيش الكريم، يجب أن تكون جزءًا من أولويات برامج الدعم، خاصةً في ظلّ تدمير البنية الاقتصادية في غزة.
موضوعات ذات صلّة:
أرامل عالقات في حلقة العجز والاستغلال
بيع المساعدات: تجاوز يصطدم بضعف الرقابة الحكومية
غياب عدالة توزيع المساعدات يزيد معاناة الفئات الهشة