خمسة آلاف فلسطيني من غزة محرومون من البطاقة الشخصية

مواطنون بلا هوية..

خمسة آلاف فلسطيني من غزة محرومون من البطاقة الشخصية

يحرم محمد ومعه عائلته كاملةً من ذات الحق في السفر والتنقل، سواء كان ذلك لحاجة إلى التعليم أو حتى لتلقي العلاج. ويقول الشاب: "نحن محكومون بالسجن مدى الحياة (..) ليس بمقدور أي من أفراد أسرتي السفر إلى خارج غزة، لأننا لا نحمل بطاقة الهوية".

ليس بمقدور الشاب الفلسطيني محمد عمرة من محافظة رفح جنوب قطاع غزة، أن يغادر القطاع تحت أي من الظروف، نظرا لعدم حمله بطاقة شخصية (هوية).

يحرم محمد ومعه عائلته كاملةً من ذات الحق في السفر والتنقل، سواء كان ذلك لحاجة إلى التعليم أو حتى لتلقي العلاج. ويقول الشاب: "نحن محكومون بالسجن مدى الحياة (..) ليس بمقدور أي من أفراد أسرتي السفر إلى خارج غزة، لأننا لا نحمل بطاقة الهوية".

يصب محمد جام غضبه على المسؤولين، الذين لم يستجيبوا لطلب الأسرة منذ أكثر من 15 عاماً بالحصول على ما يعرف بـ"لم الشمل"، لأجل تمكينهم أسوة بغيرهم من أفراد المجتمع من السفر والحرية.

محمد الذي يصنف نفسه عبر موقع فيسبوك على أنه "متحدث تحفيزي"، يجد صعوبة في تجاوز حقه المنتقص في الحصول على بطاقة هوية، كحق مدني ومطلب إنساني، والتعامل مع المسألة بنوع من الترف. إذ يقول: "يجب أن يتمتع جميع افراد المجتمع بنفس الحقوق مثلما يخضعوا لنفس الواجبات".

وتنص المادة (43) من قانون رقم (2) لسنة 1999م بشأن الأحوال المدنية، على أن كل فلسطيني بلغ السادسة عشرة من عمره، أن يحصل على بطاقة هوية وفقاً لأحكام هذا القانون، وتصدر البطاقة بناء على طلب يقدمه الشخص إلى الدائرة المقيد بها.

تعرف بطاقة تحقيق الشخصية أو ما يعرف بالهوية الشخصية إنها بطاقة رسمية تصدرها الدولة لرعاياها لتحقيق الشخصية وهي أهم الوثائق الوطنية للأشخاص، حيث تحتوي على اسم الشخص وتاريخ ميلاده ومكان إقامته وجنسيته وغيرها من البيانات التي تفيد في إثبات شخصيته، بل أصبحت البطاقة الشخصية عند بعض الدول تعوض عن جواز السفر عند الانتقال من بلد إلى آخر، تماماً كما في دول الاتحاد الأوروبي.

غير أنه يحرم ّ أكثر من 5000 فلسطيني في قطاع غزة من الحصول على بطاقة هوية بسبب عدم وجودهم –أو آبائهم- في الأراضي الفلسطينية المحتلة أثناء إجراء السلطات العسكرية الإسرائيلية تعدادًا للسكان عقب احتلالها القطاع عام 1967، بما يشكل خرقاً للحق المدني وكذلك الحق في الحرية.

تعود أصل المشكلة، وفقاً لتأريخ المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، إلى أن الاحتلال الإسرائيلي أجرى في سبتمبر/ أيلول 1967 تعداداً سكانياً للفلسطينيين المقيمين في الأراضي المحتلة، وأصبح هذا التعداد هو المرجع الرئيسي لكل ما يتعلق بالسجل السكاني للفلسطينيين، وبناء على هذا التعداد أصبحت إسرائيل تصدر بطاقات هوية شخصية للفلسطينيين الموجود أسمائهم في هذا السجل، كما حرمت سلطات الاحتلال الفلسطينيين غير المسجلين في التعداد السكاني، من الدخول إلى الأراضي المحتلة إلا من خلال تصاريح مؤقتة (محددة المدة).

زهرة أبو علوان (75 عامًا) واحدة من النساء الفلسطينيات اللواتي رافقن أزواجهن إلى الخارج قبل احتلال القطاع عام 1967، لأجل العمل، ولم يستطيعا الحصول على الهوية بعد عودتهما عام 2000، فقدت زوجها نتيجة الحرمان من هذا الحق.

تقول أبو علوان وقد ترك العمر أثاره على قسمات وجهها: "كان زوجي يعاني من مرض السكري منذ أكثر من 30 عامًا، وعندما ازدادت المضاعفات قرر الأطباء بتر ساقه، وقد كان يمكننا تدارك الأمر من خلال نقله للعلاج خارج غزة، إلى أن عدم امتلاكنا كأسرة لبطاقة الهوية قد حالت دون ذلك واستسلمنا للواقع وقام الأطباء ببتر ساقه".

وأضافت: "بعد مدة، ازداد وضع زوجي الصحي سوءًا وحاولنا بشتى الطرق إنقاذ حياته، إلا أنّ مشكلة فقدان الهوية لم تمكنّا علاجه في الخارج، ما أدى إلى وفاته".

يوضح تقرير صادر عن المرصد تحت عنوان "مواطنون بلا هوية" أنّ فاقدي الهوية في غزة كانوا دخلوا إلى القطاع إما قبل عام 2000 من خلال تصاريح الزيارة المؤقتة الممنوحة من السلطات الإسرائيلية، أو بعد عام 2000 في الفترات التي تم فيها اختراق الجدار الحدودي بين مصر وغزة، أو عبر الأنفاق الأرضية التي كانت منتشرة على جانبي الحدود قبل عام 2014.

واستعرض تقرير المرصد الصعوبات الكبيرة التي تعانيها فئة فاقدي الهويات في قطاع غزة، إذ توفي عدد منهم ممن يعانون من أمراضٍ مزمنةٍ وخطيرة بسبب عدم تمكنهم من السفر للعلاج خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وقالت المتحدثة باسم المرصد الأورومتوسطي في الأراضي الفلسطينية ندى نبيل، إنّ إسرائيل بصفتها قوة احتلال ملزمة باحترام القانون الدولي في جميع تعاملاتها مع السكان في الأراضي المحتلة، بما في ذلك إنهاء الرفض التعسفي لمنح بطاقات الهوية للمواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة ما يؤثر على التركيبة السكانية في القطاع ويسلبهم حقوقهم الأساسية غير القابلة للمس".

ودعت نبيل إسرائيل إلى إلغاء القيود التعسفية على حق إقامة المواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة، وإنهاء تجميد طلبات جمع الشمل، وبدء معالجتها على النحو الذي يمكن المواطنين من الحصول على بطاقات الهوية.

كما حثت السلطة الفلسطينية على وضع آلية جديدة تتمثل في استئناف وتحديث الطلبات الخاصة بفاقدي الهويات، وبذل الجهود اللازمة في سبيل معالجة هذا الملف.

ويرفض مثنى النجار وهو صحفي وناشط عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويعاني حرمانًا من البطاقة الشخصية، الاستسلام إلى الواقع، قائلاً: "لن اتوقف عن الكتابة عن همي وغيري من السكان المحرومين من الحق في الحصول على هوية "لم الشمل"، نحن نريد اعترافا بحقنا في المواطنة، نريد حرية التنقل المكفولة وفق القوانين".

وطالب النجار عبر تغريدة على موقع فيسبوك، بضرورة أن تستعيد مؤسسات حقوق الإنسان، دورها في التفاعل مع قضية فاقدي الهوية، وتمكنهم من استعادة حقوقهم، كالحق في العلاج، والسفر للعبادة أو السياحة، والتعليم، والتأمين الصحي، وفتح حساب بنكي، وغيرها.

وأشار إلى أهمية استعادة التفاعل حول هذه القضية الإنسانية، لأن "هناك عائلات كاملة مشتتة في أصقاع العالم وليس هناك فرصة لجمع شتاتهم".  

في المقابل، قال رئيس هيئة الشؤون المدنية، الوزير حسين الشيخ، إن ملف "لم الشمل"، "بنظرنا ليس موضوعاً إنسانياً فقط، ولكنه وطني بالدرجة الأولى، ومن حق الفلسطيني، أن يحصل على هوية وجواز سفر".

وتابع الشيخ خلال وقفة احتجاجية نظمها مواطنون من الضفة الغربية محرومون من ذات الحق: "عدم الحصول على موافقات لم الشمل، هو جزء من العقوبات والإجراءات الاحتلالية الإسرائيلية"، مشيراً إلى أنه يجب توسيع دائرة المطالبة من خلال المؤسسات الدولية، ومؤسسات حقوق الإنسان.

وتابع قوله: "كنا نحصل على كوتة سنوية لها علاقة بلم شمل المواطنين، ولكن منذ عشر سنوات توقفت بقرار اسرائيلي"، مؤكدا أن  موضوع "لم الشمل" دائمًا على طاولة البحث مع الاسرائيليين".